الرد على الطاعنين في صحيح البخاري

الرد على الطاعنين في صحيح البخاري

قد كَثُرَ الكلام في الآونة الأخيرة على صحيح البخاري، والقدح فيه، والتشكيك عن صحة ما فيه.
وصحيح البخاري من أصح الكتب على الإطلاق بعد القرآن الكريم .
حتى أن إمام الحرمين (الجويني) قال: لو أن رجلًا حملَ صحيح البخاري بيمينه، وحمل صحيح مسلم بشماله، وقال: زوجتي طالق- إن لم يكن قد قال النبي-صلى الله عليه وسلـم- جميع ما في هذين الكتابين ؛ فإنها لا تطلق.
فمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة بعامة، وطلبة العلم بخاصة، وطلبةِ علم الحديث على أخصِّ الخصوص كالجبال الرواسي، لا تتزعزع ولا تتزحزح عندهم.
والطاعنون في صحيح البخاري على مرِّ الدهور إنما هم من أهل البدع.
وهذه الحملة القائمة اليوم وقد سمعت طرفًا ممن يطعن في صحيح الإمام البخاري، فوجدت جهلًا مركبًا من قِبَلِ أصحابها، وقد قالوا قديمًا: “من تكلم في غير فنّهِ فقد أتى بالعجائب”.
فصحيح البخاري ليس حِمََا يجوز لكل أحدٍ أن يخوض فيه، وأن يتكلم عليه، ومن صنع ذلك يقال فيه كما قد قيل قديمًا:”تزبَّبَ قبل أن يتحصرم”؛ أي أصبح زبيبًا قبل أن يكون حصرمًا.
فالذين يتكلمون في صحيح البخاري أناسٌ ينادون على أنفسهم بالجهل، وكأن أحدهم ينادي بأعلى صوته في الناس أنا جاهل، فاحذر مني؛ ذلك أنهم ما خاضوا هذا العلم، وما عرفوه، وتعلقوا بأشياء، بل قالوا أشياءَ متناقضة ما أنزل الله -تعالى- بها من سلطان.
واحد منهم ليس له من علم الحديث بضاعة ،وكل الذي عنده في علم الحديث هو حضوره لبعض الدروس التي درَّسناها في صحيح الإمام مسلم؛ حضرَ معنا برهًة من الزمن، ثم ذهب إلى الإمارات، ثمَّ أُعطيَ الجنسية، ثمَّ صدِّر ليتكلم عن أحكام الشرع، ويتكلم عن علم الحديث، وهو ما أَخذَ شيئًا من علم الحديث أبدًا.
يقول: أنا لا أطعن في صحيح البخاري، وإنما أنا أشكك فيه، (أشك في صحته)، شيء عجيب ، أنت تشك في صحة أحاديث صحيح البخاري وأنت لا تطعن فيه!!
ما هذا الكلام؟!
ما هذا الهراء؟!
وما هذا الباطل الذي ما أنزل الله به من سلطان؟!.
فصحيح البخاري منزلته بين كتب الأنام كمنزلة أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه بين الناس؛ فأبو بكرٍ ليس له ثانٍ ، وهو أفضل هذه الأمة بعد رسول الله –صلى اللـه عليه وسلم -وهكذا صحيح الإمام البخاري.
وبعضهم يقول: تكلم بعض أهل العلم في صحيح البخاري، ومنهم الإمام الدارقطني ومنهم الإمام الألباني، والبخاري ليس كالقرآن الكريم.
نعم البخاري ليس كالقرآن الكريم ، والبخاري ليست العبرة فيه أنه كتابُ إماٍم فقط؛ وإنما لأنه أجمع أهل العلم بعده على صحة ما جاء فيه.
كفانا تشكيكاً في ثوابت الأمة، فثوابت أهل السنة على وجه الخصوص معرَّضٌة لهجمٍة خطيرٍَة، وخطيرٍة جدًا، عبرَ جميع الوسائل التي يمكن للعاقل أن يتكلم عنها.
ومن آخر ما يشكّكُ في ثوابت هذه الأمّة هو (مسلسل الحلاج) الذي سيعرض عبر ثلاثين حلقة في رمضان القادم.
و(الحلاج ) زنديق يؤمن أنه اتحدَّ مع الرب، وأنَّ الله- تعالى -قد حلَّ فيه، هو ومن معه يأخذُ جبَّته ويقول: ما في هذه الجُبَّة إلا الله!!
فالتشكيك في ثوابت هذه الأمّة موجود على كلِّ الأصعدة-ولاحولَ ولا قوَّةَ إلا بالله-.
ومن بين هذا التشكيك عدم وجود مرجع لأهل السنة في صحة الأحاديث التي عندهم وتعريضها للتشكيك.
علماؤنا الأقدمون وعلى رأسهم (ابن الصلاح) الذي كتب كتابه الشهير في علوم الحديث، ومن جاء بعده قالوا: جميع ما في الصحيحين صحيح سوى أحرفٍ يسيرة تُكلِم فيها.
فالبخاري ليس كالقرآن، لكن البخاري لا يجوز لكل واحد أن يلجه، وأن يتكلم فيه، وأن يطعن فيه.
والأحرف التي تكلم عنها العلماء قديمًا ،والمحدثون المحررون المدققون هم لا يأذنون فضلًا عن غيرهم لكل جاهل أن يخوض في صحيح البخاري.
هم تكلموا بنقد وعلم، وأهل العلم لم يُسَلِموا لهم في كثير مما قالوا، وإن صح شيء عنهم، فإنما الغمز في زيادة معينة، وقد تكون في الإسناد، وقد تكون في المتن وهذا ليس من صنيع الأغمار ولا صنيع العوام، هذا فقط لعلماء الحديث.
سألت شيخنا (الألباني) -رحمه الله- مرتين في وقتين متباعدين، هل ضعفت شيئًا من صحيح البخارى؟
فقال -رحمه الله تعالى-: لم أضعف شيئًا في صحيح البخاري إلا وأنا مسبوق فيه، إنما أنا كنت متبعًا لمن قبلي، وأنا ما ضعفت شيئًا في البخاري إلا كلمات يسيرة.
وبعضهم يتكلم ويهرف بما لا يعرف، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يقولون: أخرج البخاري صحيحه في ستة عشر عامًا، وخرجه من ستين ألف حديث، ويبدأ يحسب بجهل، على فرض التسليم بهذه المقدمة وأنها صحت عن الإمام البخاري.
يقول: ستين ألف حديث، في ستة عشر عامًا، ولو قسمنا الستين ألف حديث على الستة عشر عامًا، يعني يقول: لكل حديث خلال ستة عشر عامًا قرابة ربع ساعة.
فكيف البخاري يخرج الأحاديث خلال ربع ساعة لكل حديث، وهذه الربع ساعة على فرض أن البخاري في الستة عشر عامًا قد استغرق فقط ولا عمل له أبدًا إلا تخريج هذه الأحاديث.
والبخاري بشر يأكل ويشرب وينام فهذا على فرض ستة عشر عامًا استغرق لا عمل له في ستة عشر عامًا لا أكل ولا شرب ولا نوم ولا شيء إلا يستخرج هذه الأحاديث.
هذه كلها مقدمات تدل على جهل.
الإمام البخاري كانت له رحلة طويلة ودوَن فيها الأحاديث ويحفظ، وستين ألف حديث في ستة عشر عامًا، هي ستين ألف طريق، وليست ستين ألف حديث (متن).
يعني حديث معين مثل حديث (إنما الأعمال بالنيات) لما رواه يحيى بن سعيد واشتهر عنه، رواه ثلاثمئة واحد، فعنده لحديث إنما الأعمال بالنيات ثلاثمئة طريق، هو ما يحتاج في كتابه أن يضع إلا الطرق الثابتة الصحيحة.
فمسألة إخراج من هذا الكم – ستين ألف حديث – أخرج صحيحه قرابة سبعة آلاف حديث إنما هي مسألة يسيرة.
هي طرق عديدة جدًا والطريق لا تأخذ منه شيء مجرد النظر يخرج حديثًا من بين مئات الأحاديث، فليست ستين ألف حديث، أي ستين ألف متن بستين ألف مخرج لكل حديث صحابي، هذا جهل ،ما أحد يقول هذا.
وهذه الحسبة حسبة باطلة، (حسبة ضيزى) ما أنزل الله بها من سلطان.
هو أخرج صحيحه من أحاديث كثيرة جدًا عنده وانتقى أصحها، وذكرنا في دروسنا غير مرة في شرحنا (لصحيح مسلم) أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى عمد إلى أعلى درجات الصحة، فكل من تُكُلِم فيه ما خرج له، وهو عارف بالرجال.
فالشبه التي يثيرها هؤلاء إنما مدارها على جهل بواقع صحيح البخاري وواقع الإمام البخاري، وعدم معرفة به، وعلى جهل أيضًا بمسلك علماء الحديث.
والواجب على العبد أن يعرف قدر نفسه، وأن لا يخوض، وأن لا يتكلم إلا فيما يعرف.
فهؤلاء فتحوا بابًا لجهلٍة لإنكار السنة، ولإنكار المرجع الأصيل لصحة الأحاديث عند أهل السنة.
فالواجب عليهم أن يتوبوا إلى الله عز وجل، وأن يظهروا للناس تراجعهم عن صنيعهم.
فالآن إن شكَكنا في صحيح البخاري)، وفي صحيح الإمام مسلم، فلا يوجد مرجع لأهل السنة، ولا يوجد لهم مرجع لا في كتبهم الدراسية، ولا في خطبهم، ولا في تدريسهم.
فالخلاصة، هذه شُبهٌة باطلة ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، تعلق أصحابها بأشياء لم يعرفوها، وتكلموا فيما لم يحسنوا، فقد أتوا بالعجائب.
وإلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله.

⬅ مجلس فتاوى الجمعة:

٨، رجب، ١٤٤٠ هـ
١٥ – ٣ – ٢٠١٩ افرنجي

↩ رابط الكلمة: http://meshhoor.com/sahih-al-bukhari/

⬅ خدمة الدرر الحسان من مجالس الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان

📥 للاشتراك:
• واتس آب: ‎+962-77-675-7052
• تلغرام: t.me/meshhoor