محاضرة اثار الذنوب والمعاصي

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
فقد أمر اللهُ نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بقوله:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[هود:112].
ومن المعلوم بإجماع علماء الأمة أنَّ الأمر الذي يُخاطَبُ به النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما هو خطابٌ لأمته مالم تأتِ قرينةٌ تخصُّ أحدهما، فالخطاب للنبي خطابٌ لأُمته، والخطاب للأُمةِ خطابٌ للنبي -صلى الله عليه وسلم- ولعِظَمِ هذا الأمر جاء الخطابُ موجهًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأمر اللهُ نبيه بقوله: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ، والاستقامة لا تكون على وَفقِ العادات والتقاليد، ولا على وَفقِ المألوف، ولا على وَفقِ العقلِ والفهم، ولا على وَفقِ الأهواء والسياسات، إنما الاستقامةُ تكون بالوحي.
فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ، والأصلُ في الخطابِ أنه عامٌ للأمة، إلا أن هذا الأمر لا يقدر عليه إلا ثُلَّة، هم منعوتون بقوله تعالى: وَمَنْ تَابَ، فالاستقامة ثقيلة، لا يقدر عليها إلا من كان توابًا أوَّابًا، كثير المحاسبةِ والمراجعةِ لربه، وكثيرَ الحساب لنفسه.
فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا، وحتى يتضحَ البيان من الاستقامةِ أمر اللهُ باجتنابِ ضدها، وهو الطغيان، وهو الغلو، وهو الخروج عن الصراط المستقيم، والوسيلةُ لحصولِ الاستقامةِ إنما تكونُ باستشعارِ أن الله -عز وجل- بصير، فقال -عز وجل-:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[هود:112].
فلا يمكن أن يحققَ أحدٌ الاستقامة إلا باستشعاره أن الله -عز وجل- بصيرٌ به، وجاء الأمرُ بالاستقامةِ أيضًا للأُمةِ في آيةٍ ثانية، نحتاج أن نتدبرها وأن نعرف المعاني المشتركة بينها وبين الآيةِ التي أمر الله فيها نبيهُ بالاستقامة، قال الله -عز وجل-:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ۞ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾[فصلت:6-7].
قبل أن يأمرَ اللهُ هذه الأمةَ بالاستقامة بقوله: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ، قال الله -عز وجل-: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ..﴾[فصلت:6]، لا تغلوا في رسول الله، لا تتوجهوا إليه بالعبادة، لا تطغوا، رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بشرٌ مثلكم، يمتازُ عنكم بأنه يوحى إليه، ذُكر الوحيُ أيضًا مرةً أخرى، فالدعوةُ التي ندعوا إليها هي دعوةُ وحي، وليست دعوةَ فكرٍ، ولا دعوةَ استنباطٍ من بعيد وراء وترك النصوص الشرعية الواضحة المُبَيَّنة في كتاب ربنا وأحاديثِ نبينا -صلى الله عليه وسلم-: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ..﴾[فصلت:6]، فهو الذي يستحق أن يُستقامَ على أمره، لأنهُ معبودٌ بحقٍ، واحدٌ لا ثانيَ له، فهو الخالق، ومن خلق مَلَك، ومن مَلَكَ أمَر، ومن ملك دبَّر وأمر الناس بما شاء -سبحانه وتعالى-.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ ..﴾[فصلت:6]، جاء أمرُ الأمة، أُمِرت الأمة بأن تستقيمَ على أمر الله -عز وجل-: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، هذا المقام عسرٌ صعبٌ، فقوله: وَاسْتَغْفِرُوهُ يساوي قولهُ في الآيةِ الأولى: وَمَنْ تَابَ مَعَكَ، ووسيلةُ التوبة إنما هي الاستغفار، ولأن الاستقامةَ أمرُها عَسِرٌ تحتاجُ إلى توبة، عكس الصلاة، لعِظَمِ مقام الصلاة ومناجاة لله، بمجرد أن تفرغ من صلاتك فإنك تقول: أستغفرُ الله، أستغفرُ الله، أستغفرُ الله، لخللٍ وذهولٍ ونسيانٍ، وعدمِ استشعارٍ لِعِظَمِ المكان، لعظم المناجاة، لعظم الحال الذي كنت فيه، تقول: أستغفرُ الله، فالاستقامة عسِرة، لذا قال الله –عز وجل-: وَاسْتَغْفِرُوهُ، ولذا من رحمة ربنا بنا أن أرسل لنا نبيًا -صلى الله عليه وسلم- وأمرنا فقال: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ» . سدد وقارب، إذا ما استطعت أن تصيب الهدف فحُم حول الهدف، إذا كنت لا تستطيع أن تلتزم الصراط المستقيم لزومًا كاملًا، سدد وقارب واستقم، واستغفروه وويلٌ للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة والذين هم بالآخرةِ هم كافرون، فالذي يعين على الاستقامة الصدقة، فالصدقة برهان، الزكوات تعين على لزوم طريق الاستقامة، المتصدق لا يتصدق إلا وهو متيقنٌ على وجود اليوم الآخر، ولذا كان بعض السلف لما يأتيه السائلين والشحاذين كان يقول: يا مرحبًا بالحمالين الذين ينقلون أموالنا من دار إلى دار، الشحاذ ينقل مالك من دار إلى دار، فالصدقة برهان، والذي لا يؤمن باليوم الآخر عَسِرٌ عليه جدًا مقام الاستقامة، الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بالآخرة هم كافرون.
وهذه الاستقامة لها بركاتٍ وثمار، ودونها تقع المصائب وتقع النكبات، ويقعُ أثر سلبي على الأمم والشعوب، لو أخدنا أثر الاستقامة فربنا يقول:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ۞ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ۞ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾[فصلت:30-32].
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، الاستقامة تحتاج أن تكون على توحيد، الاستقامة هي حق لا إله إلا الله. لذا في سنن ابن ماجه لما سأل سفيان بن عبد الله الثقفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يوصيه، فقال له: «قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ» ، فالاستقامة تتضمن العلم، فبدون علم لا يمكن تحصيل الاستقامة، والاستقامة تتضمن الإخلاص، والاستقامة تتضمن التزام السنة، والاستقامة تتضمن الثبات على هذا الطريق، هذه متضمنات الاستقامة، ولذا قال أبو بكرٍ -رضي الله عنه- في تفسير قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ..﴾[فصلت:30]، قال: “استقاموا على لا إله إلا الله”.
لا إله إلا الله أعظم كلمةٍ يقولها العبد، أثقل من السماوات والأرض في الميزان، هذه الكلمة لها حقوق على قائليها، أنت عندما تقول: لا إله إلا الله، إن أردت أن ترجع عنها فثمنها دمك: «مَنِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ، فَاقْتُلُوهُ» ، هذه الكلمة عظيمة، وهذه الكلمة لها حقٌ على قائليها، ومن حقها على قائليها أن يؤدوا الاستقامة وأن يجهدوا ويجتهدوا في الاستقامة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ ..﴾[فصلت:30] في النزع ، الإنسان في النزع مدبرٌ عن دار ومقبلٌ على أخرى، والذي يدبر عن دار وينتقل إلى دار أخرى يحتاج أن يطمئن إلى ما هو مقبلٌ عليه، ويحتاج إلى أن يُطَمأن على ما ترك، والله –عز وجل- ينزل الملائكة على أهل الاستقامة وهم في النزع الذين استقاموا بعد أن قالوا ربنا الله، وفي هذا إشارة إلى أن الاستقامة لا تتحققُ دون التوحيد الصحيح، ودون الوحي، لا يوجد استقامة بدون توحيد صحيح، لا يوجد استقامة بدون سُنة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾[فصلت:30] لا تخافوا مما أنتم مقبلون عليه، ولا تحزنوا مما تركتم خلفكم، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون.
﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾[فصلت:31]، اعلم يا عبد الله، من هو ولي الله؟ قال الإمام الشافعي مستنبطًا من هذه الآية، قال: “إن لم يكن أهل الاستقامة هم أولياء الله، فلا أعلم لله وليًا. من هم الذين قال الله عنهم: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ..﴾[فصلت:31]، منه هم؟ أهل الاستقامة. أهل الاستقامة أهل رعاية، أهل حفظ، أفرادًا كانوا أو مجتمعين.
أنت يا عبد الله تقول: “اللهم إنا نعوذ بك من سخطك ومقتك”. أتدري ما هو مقت الله؟ مقت الله أن يتركك ربك لتدابيرك ولشأنك، وألا يكونَ اللهُ ناصرًا لك، وألا يكون مُدبرًا لأمرك، وألا يكون معينًا لك، عندما تقع الشعوب والحكومات في المصائب والويلات من مقت الله أن يتركها وشأنها، أن يتركها وتدابيرها، دبروا أمركم.. هذا نتيجة عملكم، هذا ما وصلتم إليه، نعوذ بالله من سخطه، ونعوذ بالله من مقته، مقت الله لا يكون الله معك في وقت الحاجة:
«تَعَرَّفْ بِاللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» ، ما معنى تعرَّف إلى الله في الرخاء؟ تعرف على الله في الأمن، يعرفك في وقت القلاقل والفتن، تعرف على الله في القوة، يعرفك الله في الضعف، تعرف على الله في الشباب يعرفك الله في الشيخوخة، تعرف على الله في الغنى يعرفك الله في الفقر، تعرف على الله -عز وجل- في الرخاء يعرفك في الشدة، ولذا إخواني.. أهل الاستقامة هم أولياء الله، وإذا وقعت الاستقامة، تأمل معي:
﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾[الجن:16]، لو استقام الناس كفاهم الله -جل في علاه- كفاهم صعوبة العيش، ولجعلهم يعيشون في رغد، وفي بحبوحة من العيش، وإذا اختفت الاستقامة ماذا يلزم من ذلك؟ لله سُنن، قصَّ الله تعالى علينا قَصَصًا -ولا أقولُ قِصَصًا- والفرقُ بين القَصَصِ والقِصَص أن القَصص حقيقة تأريخية كانت موجودة، والقِصص يشمل ذلك ويشمل ما يخترعه الخيال وما يكتبه الروائيون الكفار، والله أنزل إلينا أحسن القصص، قص الله علينا قَصَصًا هي تأريخية، وأرادها الله تعالى أن تكون مِثْلِيَّة، أن تكون مثالًا ومعيارًا وميزانًا نرد الأمور إليها، وعلم الله يشمل الماضي والواقع والمستقبل، فكل ما نحتاج ضرب الله لنا الأمثال وقص علينا القَصص، وما من أمة من الأمم السابقة إلا وقعت في معصية، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أراد أن يجعل هذه القَصص من كونها تأريخية إلى كونها مثلية كما سيأتي معنا إن يسر الله -عز وجل- ومد في الوقت وفسح فيه، وأسأل الله -عز وجل- بركة الطاعة وبركة التوحيد ونور التوحيد ونور السنَّة ونور الطاعة.
إخواني أحبائي في الله، الاستقامة تتولد عنها الخيرات على مستوى الأفراد والشعوب والحكومات، في المقابل الذنوب والمعاصي يتولد عنها الشرور على مستوى الأفراد والشعوب، ما دام هناك معاصي، فلابد أن يظهر أثرٌ سيءٌ لهذه المعصية، ومن أسوأِ الأثر المقت، أن يترك الله الناس وشأنهم وتدابيرهم، وألا يكون حافظًا لهم، ما هو أثر الذنوب؟ لا يمكن أن نحيط هذا الموضوع بمحاضرة، ولكن لابد أن نتوسم بعض ما ورد في الشرع من نصوصٍ ومن قَصصٍ قصها على أقوامٍ قبلنا.
الذنوب لها أثر ليس على فاعليها، الذنوب أقسام، هناك ذنوب شخصية يتوب الله على صاحبها، وهناك ذنوب جماعية، هذه الذنوب الجماعية لها أثر على المجتمع، ومن أكثر أسباب ظهور الذنوب الاجتماعية عدم الأمر بالمعروف وعدم النهي عن المنكر، التبرج ذنب شخصي أم ذنب جماعي؟ والزنا؟ والربا؟ هذه ذنوب جماعية، المرابي قبل أن يرابي يعرف أن الأصحاب والأحباب ومن الأغنياء ما يمكن أن يقرضوه ولا يتأثروا شيء، فالذي لا يقرض المرابي وألجأ هذا المضطر أن يذهب للربا ويرابي هذا شريك له في الوزر، ما أحوجنا إلى صندوق وقف للنقد يؤخذ من الأغنياء ثم في المآل يرد إليهم مثل قرض الحسن وأنا أعرض على المسؤولين هذا الأمر، حتى نخفف من الجريمة، كما أن هناك جرائم تكون العقوبة فيها جماعية تحتاج منا إلى تدابير جماعية ليحفظنا ربنا، وليُبعِدَ مقته عنا، وليحفظنا الله -عز وجل-، ولذا بعض الذنوب لها أثر، النبي – صلى الله عليه وسلم- يقول في صحيح مسلم: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ رءُوسُهُنَّ كَأَمْثَالِ أَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ كَذَا وَكَذَا» ، هل من صلة بين الصنفين؟ فبلا شك هناك صلة عظيمة، بل ليست هناك صلة فقط هنالك قاعدة، كما أن المهندس له قواعد لإقامة هذا البناء، وأن مدرس الكيمياء والفيزياء له قواعد وعنده أمثلة، ومدرس الرياضيات عنده قواعد، الأمم تقوم على قواعد، والكتاب والسنة بينت لنا قواعد هذه الأمم التي تقوم عليها الأمم، منها هذا الحديث، هذا قاعدة في الأمة، ما هي القاعدة؟ الأقوام الذين بأيديهم أسواط كأذناب البقر هذا رمز للظلم السياسي، والنساء الكاسيات العاريات هذا رمز للفساد الخلقي، فمتى ظهر الفساد الخُلقي لابد أن يظهر الظلم السياسي، الذي يعيش عبدًا لشهوته والذي لا يقدر أن يقول للمتبرجة اتقِ الله، لا يقدر أن يقول للظالم أنت ظالم، فالحديث في هذين الشقين بينهما تلازم، فالذنوب تؤثر، إذا ما ظهر الربا أو الزنا في قوم إلا أحلوا بأنفسهم الدمار والعياذ بالله تعالى، لماذا؟ لأن الربا ولأن الزنا ليس ذنبًا يقع بسبب غفلة.
ومع هذا فإن الذنوب الشخصية لها أثر عظيم على الناس، وإياك أن تظن أنك إن أذنبت فاستغفرت وقُبِلت توبتك أنك بقيت بعد ذنبك بمنزلتك قبل ذنبك، تذكروا معي الأنبياء، لما اشتد المحشر على الناس، اشتد الهول في المحشر فيأتون الأنبياء ويطلبون منهم أن يشفعوا لهم عند ربهم بأن يعجل الساعة، فكل نبيٍّ في ذاك المقام يذكر ذنبه، ما ذهب الذنب، الذنب تاب الله -عز وجل- على صاحبه، لكن منزلة من أذنب ليست كمنزلته قبل الذنب ولو كان نبيًّا، ولو كان مُرسَلًا، فما يغريك الشيطان أن هذا ذنب افعله وتب منه، حتى يأتون النبي -صلى الله عليه وسلم- فيقول نبينا -صلى الله عليه وسلم- كما ثبت في صحيح البخاري: «أَنَا لَهَا فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الْآنَ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيَقُولُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» ، فالشاهد أن الذنب له أثر، له أثر على قوة بدنك، له أثر على رزقك، له أثر على ولدك، قد تُحرم الولد، وقد تُحرم الرزق، وقد جاء التصريح بهذا في بعض النصوص من كتاب ربنا وأحاديث نبينا -صلى الله عليه وسلم-، يقول الله -عز وجل-: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۞ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ۞ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾[نوح:10-12].
جاء رجل كما عند ابن مردويه إلى الحسن بن علي، فقال: «إني فقير فادعُ الله لي بالغنى. قال: عليك بالاستغفار. وجاء آخر فقال: إني عقيم، فادعُ الله لي بالولد. فقال: عليك بالاستغفار. فسأله تلامذته: هذا يسألك الفقر وتقول له عليك بالاستغفار، وآخر يسألك أن تدعو الله له بأن يرفع عنه العقم وأن يرزقه الولد فتقول له عليك بالاستغفار؟ فقال: أما قرأتم قول الله: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ..﴾[نوح:10]، ثم قال: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ ..﴾ [نوح:12] هذا علاج الفقر، ﴿..وَبَنِينَ ..﴾[نوح:12] هذا علاج العقم»، ما هو علاج العقم؟ الاستغفار. لذا أسند النووي عن أبي بكرٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: “ما عُطِب شجرٌ ولا صيد طائرٌ إلا بتقصيره في التسبيح”. هذه الطيور والأشجار تسبح، فلما تقصر في التسبيح تقطع الأشجار وتصاد الطيور.
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» .
الذنب سبب من أسباب حرمان الرزق، فالذنب خطير على الأفراد، وأخطر ما يمكن أن يكون للذنب أثره على الإنسان أن يُحرف قلبه، وأن لا يستقيم ميزانه، وأن يقع في المذكور في الآيات التي سمعناها من تلاوة أخينا الإمام: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[الحشر:19]. هذا أخطر ما يمكن أن يقع في أفراد هذه الأمة، كما نرى من الشواهد، وكما نرى عند كثيرٍ من الناس.
كيف ينسى الإنسان ربه؟ ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ..﴾[الحشر:19] قال أهل التفسير: ينسى الإنسان نفسه أن يذنب الذنب فلا يستحيي ولا ينكسر، وأن يذنب الإنسان الذنب ولا يبالي ولا يشعر به، قال الله: ﴿.. أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[الحشر:19]، حصل فسقهم هذا بالذنب، فالذنب يجر إلى ذنب، والسيئة تجر إلى السيئة، حتى والعياذ بالله كما قال الله عن بني إسرائيل: ﴿.. وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ..﴾[البقرة:81] حتى يصبح الإنسان الخطيئة تحيط به في كل مكان، فإذا أصبح حاله هكذا، تثقل عليه العبادة والطاعة، وينقطع عن الصلة برب السماء والأرض، ويترك حتى يُخذل والعياذ بالله تعالى. من أسوأ آثار الذنب أن الإنسان كلما وقع في الخُذلان وأراد أن يقوم وقع في خُذلان هو أكبر منه، هذا أسوأ أثر من أثر الذنب.
وكما أن للذنوب أثرًا على الأفراد، فإن للذنوب أثرًا على المجتمعات والشعوب، في أي الأنحاء حتى في نوع الذنوب، هنالك ذنوب، لكل نوع من أنواع الذنب له أثر في نمط من أنماط الحياة. اسمع ماذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما أخرج ابن ماجة والبيهقي في الشُّعَب بسندٍ جيد عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «خَمْسُ خِصَالٍ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْ تَنْزِلَ بِكُمُ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فَشَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ ..» .
الذنوب على أنواع وأقسام، وكل نوع وقسم من أنواع هذه الذنوب لها أثر على نمط من أقسام الحياة، النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «.. لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فَشَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ ..» والله هذه القطعة من الحديث تصلحُ أن تكتب في المستشفيات، وأن تكون شعارًا لوزارة الصحة، حتى نحصن الناس من الأمراض والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، أن نحارب ظهور المعصية، وأن نبث الحراس، العقيدة والفضيلة حراس الأمة، أن ينصحوا بلين ورفق بالكلمة الطيبة، أنتم في هذه العقبة هنيئًا لكم، يأتيكم الناس على أطياف وأديان مختلفة، هنيئا لكم، تستطيعوا أن تنشروا دينكم وأن تفتحوا قلوب هؤلاء الخلق بالكلمة الطيبة والأسلوب الحسن والبشاشة، والتاجر يتقِ الله -عز وجل- في المعاملة، والتاجر يُرِي هؤلاء الناس الإسلام في معاملته، أكبر تجمع للمسلمين على وجه الكرة الأرضية هذه الأيام في إندونيسيا، إندونيسيا فيها ما يزيد على مائة وثمانين مليون، وإندونيسيا لم يصلها فاتح ولم يصلها جندي، ولم تُفتح بالقتال، وإنما في إندونيسيا تأثروا بأخلاق التجار الذين جاءوا لإندونيسيا، ففتحوا إندونيسيا بالأخلاق الطيبة والمعاملة الحسنة وبالأسلوب الحسن والأمانة في التجارة، فهنيئًا لكم، تستطيعون أن تنشروا دين الله -عز وجل- بين هؤلاء الأقوام، هم جاءوا للفسحة، فما يمنع مع الفسحة أن يروا الخلق الطيب وأن يسمعوا النصيحة التي يحبها الله -عز وجل- ويرضاها.
«خَمْسُ خِصَالٍ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْ تَنْزِلَ بِكُمُ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا ..» الإعلان بالفاحشة أشد من الفاحشة، الإعلان بالفاحشة معناه أن الفاحشة ما بقيت ذنبًا شخصيًا، وإنما أصبحت ذنبًا يقوم به جميع أفراد المجتمع، ولذا قال: «.. فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فَشَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ ..» الأمراض والأوجاع بسبب الذنوب تصيب جميع الناس، ولذا ربنا يقول: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ..﴾[الأنفال:25]، أخرج ابن ماجة في الشُّعب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: «إِنَّ الظَّالِمَ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَلَى وَاللهِ، حَتَّى الْحُبَارَى لَتَمُوتُ فِي وَكْرِهَا هُزَالًا لَظُلْمِ الظَّالِمِ» . يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ» ، التاجر الذي يبيع البسطة والتاجر الذي يبيع في البقالة أو السوبرماركت إذا طفف المكيال والميزان، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ»، أتدرون ما معنى السنين؟ يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما ثبت عنه: «لَيْسَتْ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا وَلَكِنْ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا» . المطر كثير في غير وقته، المطر كثير والخير يُحرمُ من الأرض يُحْرَمُه الناس، والسبب تطفيف المكيال والميزان، تطفيف المكيال والميزان رمزٌ لغشً، فكل ما يلحق به مما يساويه ومما هو أعلى منه هو مثله وزيادة، «وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ» تصبح الحياة شديدة، الرغد فيها قليل، الرزق قليل، الحياة ثقيلة على الناس.
«وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ»، جور السلطان سببه أفعالنا، معاصينا، عدم تقوى الله -عز وجل- عدم تقوى التجار، عدم تقوى من بأيديهم المال.
العرب في جاهليتها كانت توزَّعت مسؤولية الحج، وكان تفويج الحجيج من مزدلفة إلى منى بيد خزاعة، وقبل الإسلام كان دعاؤهم كما يُقرأ في كتب الأدب، ماذا كان يقول الذي يدعو؟ كان يقول: “اللهم اجعل أموالنا بأيدي سمحائنا وحبب بين نسائنا، وبغض بين ضعافنا”، كان هذا دعاؤهم، فإذا ما أراد الله خيرًا بهذه الأمة جعل الأموال بأيدي السمحاء، وكانت نفوس من بأيديهم الأموال أكبر من أموالهم، وكانت المناصب بأيدي السمحاء، وكانت نفوس من بأيديهم المناصب أعظم من مناصبهم، حينئذٍ الأمة تهنأ، وأما إذا كان المال أكبر من نفوس أصحابه، وإذا كان المنصب أكبر من نفوس أصحابه، الويل لهذه الأمة، ولذا ما طفف قومٌ المكيال والميزان إلا أُخِذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان. هذا يصلح لوزارة التموين، حتى يعممون على التجار ما المطلوب منهم حتى لا تقع العقوبة العامة، تطفيف المكيال والميزان جريمةٌ اجتماعية، وليست جريمةً شخصية.
النوع الثالث، الذنب الثالث، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وَمَا مَنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْمَطَرَ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا» . المطر الذي ينزل لأجل البهائم، هذا يصلح للأرصاد الجوية، أدوا الزكاوات تُمطَروا، في سنة من السنوات أهل الأردن لحاجة أهل العراق قدموا زكوات كثيرة، فأنزل الله علينا مطرًا غزيرًا عظيمًا، تستطيع أن تعرف زكوات الناس من موسم المطر، «وَمَا مَنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْمَطَرَ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا».
الخصلة الرابعة يقول فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ، وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ» ، وفي روايةً لأحمد في المسند: «أَخَذَ قِطْعَةً مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ»، إذا أردنا أن نعرف لماذا تضيع بلاد المسلمين، هذا السبب، ما نقض قومٌ عهد اللهِ وعهد رسوله -صلى الله عليه وسلم- إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذ قطعةً مما في أيديهم، أو قال: فأخذ شيئًا مما في أيديهم.
الخصلة الخامسة تحتاج منا لتدبر، ويسر الله لي ربطاً لم أره عند أحدٍ، فإن أصبت فأحمده سبحانه، وإلا فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه، الخامسة يقول فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وَمَا لَمْ يَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ وَيَتَّخِذُوا فِيمَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَّا جُعِلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» . وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- إلا جُعِلَ بأسُهم بينهم شديدًا، سر وجود البأس والشدة بين الشعوب عدم الحكم بالكتاب والسنة، لو سأل السائل فقال: هل كان النبي يعلم أنه يأتي في آخر الزمان حكام مسلمون يحكمون بغير ما أنزل الله؟ تجيب بنعم أم لا؟ نعم، وماهو الدليل؟، هذا غيب، كيف عرفنا؟ اسمع مني وتسلح بها، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «سَأَلْتُ رَبِّي ثَلاثًا فَأَعْطَانِيَ اثْنَتَيْنِ، وَزَوَى عَنِّي وَاحِدَةً، سَأَلْتُهُ أَنْ لا يُسَلَّطَ عَلَى أُمَّتِي عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَجْتَاحَهُمْ، فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ، فَأَعْطَانِيها، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ، فَمَنَعَنِيهَا» ، ما تُهلَكُ الأمة بزلزال، ما تُهلك الأمة بشيءٍ عام يعُمُّ الأمة كلها، «أَنْ لا يُسَلَّطَ عَلَى أُمَّتِي عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَجْتَاحَهُمْ، فَأَعْطَانِيهَا»، العدو لا يمكن أن يتكالب علينا وفينا الجميع ، لا يمكن، يمكن يأخذ طرف منا في بعض البلاد كالبوسنة والهرسك وغيرها، أما أن يستحل بيضتنا لا يمكن، قال: «وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ، فَمَنَعَنِيهَا»، اربط هذا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وَمَا لَمْ يَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ وَيَتَّخِذُوا فِيمَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَّا جَعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» فتعلم علم اليقين أن نبينا كان يعلم أن أمته ستُحكم بغير كتاب الله ولا سنته -صلى الله عليه وسلم- وما ذكر تكفيرهم، هذا دلالة على صحة استصحاب إسلامهم، وأن بمجرد الحكم بغير ما أنزل الله لا يكفر هؤلاء، وهذا دليلٌ خفيٌ قوي من خلال الربط بين هذه النصوص.
إذًا هذا الحديث فيه ألوان وضُروب وأنواع لذنوب فيها مجموعة لعقوبات تعددت وتلونت، والعقوبة التي ترتبت عليها تعددت وتلونت، ولم تشمل أصحابها وإنما عمَّت جميع الناس وعمَّت أفراد المجتمع، وإذا تخلَّفت فتخلفت برحمةً منه وفضل، فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا» هذا من رحمته -سبحانه وتعالى-، هذا رحمته بالبهائم -سبحانه وتعالى-، فكما ورد في سنة نبينا -صلى الله عليه وسلم- آثار الذنوب على الأُمم والشعوب ورد في كثير من الآيات، والآيات هي سُنَّةُ الله في المجتمعات.
إن أقبلت فقرأت كتاب الله اقرأه لتعيش، اقرأه لتحيا، اقرأه ليكون لك ذكر، اقرأه ليكون لك بين هذه الأمم منزلة، تدبر معي أخي الحبيب قول ربك -عز وجل-: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[الأنبياء:10]، أين ذكرنا في الكتاب؟ ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[الأنبياء:10]، لقد للتحقيق، والأمر قد تم: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ..﴾[الأنبياء:10]، فذِكرُنا في كتابنا ولا ذكر لنا في غيره، ومن هذا أخذ عمر مقولته المشهورة: “إنا قومٌ أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله”، هنالك سُنن لله في المجتمعات، هذه السنّة لا تتخلف، السنّة جاءت مفصلة وجاءت مجملة في كثير من الآيات، تدبر معي قول الله -عز وجل-: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾[النحل:112]، ضرب الله مثلًا قريةً، هذه قرية علماء الأصول يقولون: ذكر في سياق الإثبات يفيد الإطلاق، قرية لا تسأل عنها، لا يخصك من هم، لا يخصك مكانها، لكن هذه سُنَّة لله لا تتخلف، ضرب الله مثلًا قرية ما، كانت آمنة مطمئنة تعيش في رغد، تعيش في أمن، والأمن إخواني من النعم العظيمة التي امتن الله -عز وجل- بهذه النعمة على قريش فقال: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ۞ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ۞ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ۞ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾[قريش:1-4]، الأمن نعمة، لولا نعمة الأمن ما استطعنا أن نسافر ونأتيكم، ولولا نعمة الأمن ما استطعنا أن نجلس هذا المجلس، لا نستطيع أن نحجَّ ونعتمر، نعمة الأمن نعمة عظيمة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- في سنن ابن ماجة يقول: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ آمِنًا فِي سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» ، كأن الدنيا كلها عنده، إذا كان صحيح البدن آمن في السرب، وعنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها.
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً ..﴾ [النحل:112] وما سماها، هذه سنة لا تتخلف، آمنة مطمئنة يأتيها رزقها من كل مكان، الناس يعيشون في رغد، يعيشون في خير، فكفرت بأنعم الله، لم تؤدِّ حق الله، لم تشكر النعمة، الذي لا يخرج الزكاة ليس مجرمًا في حق نفسه، هو مجرمٌ في حق أمته، بل الذي يترك الصلاة كذلك، يقول الحافظ بن حجر:”الذي يترك صلاة ركعتين لله يضر بكل عبدٍ صالح لله في السماء والأرض من لدن آدم لقيام الساعة”، لِم؟ قال لأن المصلي يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، والذي يترك الركعتين يترك السلام على عباد الله الصالحين في السماء والأرض وعباد الله الصالحين جميعًا ، فيضر كل عبدٍ صالحٍ إلى يوم الدين، تارك الصلاة، فوزر تارك الصلاة ليس وزرًا في حق نفسه، هو وزرٌ في حق الأنبياء، وزرٌ في حق الأولياء، وزرٌ في حق الصُّلحاء، ولذا تأمل معي: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ..﴾[النحل:112] فما المطلوب؟ المطلوب أن تشكر النعمة، كيف يكون شكر النعمة؟ ﴿.. اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ..﴾[سبأ:13]، اعملوا اعملوا، اتركوا العبث، اعملوا بالطاعات، حافظوا على النعمة، ﴿.. فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ ..﴾[النحل:112]، فما السُنَّة؟ فـ .. ماذا تفيد هذه الفاء؟ تفيد التعقيب المباشر، حرف تعقيب: ﴿.. فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ ..﴾[النحل:112]، هذه سنة لا تتخلف، ما هي السُنَّة التي لا تتخلف؟ أن القرية متى كفرت بأنعُم الله بغض النظر أين هي، من الذي يعيش فيها، فلابد أن تذوق لباس الجوع أولًا، فيذهب عنها الرغد، فإن لم تستيقظ ولم تتب ولم ترجع فلابد أن يتبع الجوع الخوف، لابد أن يتبع الخوفُ الجوعَ، متى حصلت ذنوب في الأمة فقدت مقومًا من مقومات الأمن، كثْرةُ الجرائم، حصل الهلع والخوف، يبدأ فقدان الأمن، إذًا الله -عز وجل- لم يقل فأذاقها لباس الجوع ولباس الخوف، قال: لباس الجوع والخوف لتلازمهما ولقرب بعضهما من بعض، هذه إرادة الله -عز وجل- في المجتمعات، وهذه قاعدة في الخلق، كل ظهرت فيها ذنوب الله يمقتها و يتركها تدبر شأنها وفق قدراتها وتخرج عن حفظ ربها لها، أن يترك الله العاصي وشأنه ونفسه، دون أن يتدخل في رعايته، ولابد أن يذهب الأمن، أن يأتي الخوف أولًا ثم بعد الخوف يذهب الأمن، وهذه مصيبة عظيمة، لذا العاصي والمذنب الذي يذنب الذنوب لا يضر بنفسه، يضر بأمته، والطاعة فيها الخير والبركة، وفيها الأمن وفيها العافية وفيها الرغد، هذه قاعدة نظرية ، انظر إلى تطبيقات عملية.
نأخذ أمةً من الأمم، ذكر ربنا قصتها، ربنا يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:15]، سبأ اسم مكان أو اسم قبيلة، تأخذ هذا وهذا، لقد كان لسبإٍ في مسكنهم، هناك قراءة متواترة فيها: لقد كان لسبإٍ في مساكنها بالجمع، قال المدققون من أهل التفسير: لماذا ذُكر مسكنهم ولم تُذكر بلادهم ولم يقل ديارهم؟ ما هو سبب ذكر مسكنهم أو مساكنهم في القراءة المتواترة؟ قالوا لشدة الرخاء، كان لكل بيت في كل سبأ جنتان، جنة على يمين البيت وجنة على يسار البيت، فالجنة ما تخص البلد، وإنما تخص سكن كل واحد منهم، من شدة لرغد الذي كانوا فيه، ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ..﴾[سبأ:15]، هذه الآية فُصِّلت: جنتان، علماء الإعراب يقولون: جنتان بدل من آية. جنتان عن يمين وشمال، فما المطلوب؟ ﴿.. كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ..﴾ [سبأ:15]، كلوا من رزق الله، تمتعوا، أدُّوا حق الله –عز وجل- في هذه النعمة التي ترتعون فيها، ﴿.. بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾[سبأ:15]، والتنكير للتفخيم، قال المؤرخون ومن طول في تفسيره: كانت المرأة إذا حملت زنبيلًا -أي إناء- فوضعته على رأسها وطافت تحت جنة بيتها امتلأ من جميع أصناف الفاكهة من غير قطفٍ بالبنان ولا هزٍ للأغصان، من شدة الرغد والنعيم، مجرد ما تطوف بالإناء الذي على رأسها يمتلئ بالخيرات، وكان الرجل الغريب إذا جاء على سبأ وكان على ملابسه القُمَّل مات القُمَّل من شدة عليل هواء تلك البلدة، بلدة طيبة هواءها طيب، ما يستطيع أن يعيش القُمَّل، بلدة طيبة ورب غفور، ترتع في الخيرات، ﴿فَأَعْرَضُوا ..﴾[سبأ:16] ، أعرضوا عن الإستجابة للإنبياء ، طبعًا كلمة فأعرضوا يستلزم منها وجوبًا تقدير أشياء محذوفة كثيرة، أرسل الله لهم الرسل، بين لهم ما يحب، عصوا فأعرضوا، ذكر الله النتيجة، المقام مقام تنبيه على اثر الذنب في الأمة والشعب، فما جاء التفصيل كذبوا الرسل وكفروا بهؤلاء الرسل وعاندوا، أرسلنا إليهم آيات للاسترشاد فعاملوها معاملة العناد، ما جاء هذا التفصيل، قال: فأعرضوا، فأرسلنا عليهم يهودًا، أرسلنا عليهم الأمريكان، أرسلنا عليهم..؟ لا هذا ولا هذا، هذه وسائل منه، الوسائل تتغير وفق حكمة عظيمة، الله –عز وجل، سبحانه وتعالى- له حِكَمٌ بالغة مدهشة تعجز العقول عن إدراكها، لكن الله -عز وجل- لا يخفى عن علمه شيء، قدرته تحيط بكل شيء، ليس المسلم كالمجرم، هو أعدل العادلين -سبحانه- ، ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ..﴾[سبأ:16]، قال علماء العرب في تلك الحقبة كانوا يسمون السيول كل سيلٍ باسمه، فسيل العرِم إما انه اسم لذاك السيل وإما أنه صفة لذاك السيل، والعَرِم أي السيل الشديد، ﴿.. فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ..﴾[سبأ:16]، في قراءة صحيحة ﴿أُكُلِ خَمْطٍ﴾ أيضًا، ﴿.. أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾[سبأ:16]، أكُل خمطٍ وأثلٍ قالوا هاتان شجرتان، شجرة الأراك وشجرة تسمى الطفاء ومنهم من يقول خلاف ذلك، شجر أخشاب ما لها ثمار، بدلناهم بجنتيهم جنتين، هذه قصة تاريخية حقيقة، لكن الله أراد منا أن نجعلها مِثلية، كل من يعيش في رغد، فكفر بأنعُم الله لابد أن يقع معه ما وقع معهم، والوسائل تتغير، ﴿.. وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ ..﴾[سبأ:16]، أما السدر هو الذي يؤكل، تعرفون إخواني ما هو السدر؟ النَّبَق، ما هو النبق؟ الدوم، شجر الدوم، الثمرة الصغيرة التي لا تُشبع، ومع هذا هذه الشجرة التي تؤكل، وهذه النبقة قال الله عنها: ﴿.. وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾[سبأ:16]، قال: شيء من قليل، شيء للتبعيض ومِن للتبعيض وقليل للتقليل، شيء قليل: ﴿.. وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾[سبأ:16]، لماذا يا ربنا فعلت هذا فيهم ؟ اسمع القاعدة التي لا تتخلف، هذه القاعدة أصبحت قاعدة في جميع المجتمعات: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾[سبأ:17]. نجازي فيها فعل مضارع، يعني استمرارية، ذلك جزيناهم للعلة ، ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾[سبأ:17]، طيب ما حال هذه الأمة؟ بعد أن أُخرجوا من ديارهم، القحط الذي فيها وهذه الديار ما بقي فيها رغد، هؤلاء القوم تحولوا من بلاد اليمن إلى جزيرة الحجاز، قَرُبوا من الشام، تركوا بلادهم وانتقلوا لبلاد أقرب على الشام منهم، قال الله -عز وجل-: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ..﴾[سبأ:18]، كل ما سمعت: قرى، أرض مبارك فيها، في القرآن هي أهل الشام، هي بلاد الشام ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً ..﴾[سبأ:18]، أقمنا لهم بلاد جديدة وبلاد ظاهرة، قامت هذه البلاد وأصبحت لهم دور يرى بعضهم بعضًا من خلالها، يراها قائمة ظاهرة، ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾[سبأ:18]، قدم الله الليل على النهار لأن الأمن في الليل الإنسان يحتاجه أكثر من حاجته للأمن في النهار، ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ﴾، ليالي وأيام وأنت تسير، البلاد اتسعت والقرى ظهرت والعمار ظهر، والأمة بعد فقدت الخير تحولت لبلد بجانبها، رجعوا قاموا أصحاب الأموال وأصحاب العمارات وأصحاب البيوت، رجعوا ما شاء الله، وكأن المصيبة انتهت،النكبة الأولى زالت،بقي أمامهم نكبات ما داموا على المعاصي ، ﴿.. وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾[سبأ:18]، ماذا يقول ربي؟ ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ..﴾[سبأ:19]، انشغلوا بتكثير العمران، في قراءة صحيحة متواترة: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَعِّد بَيْنَ أَسْفَارِنَا ..﴾ في قراءة متواترة أيضًا: ﴿فَقَالُوا رَبُّنَا بَاعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ..﴾، أصبح التباعد للافتخار، أنا عندي عمارات، عندي دور، عندي …، فماذا قال الله؟ ﴿.. وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ..﴾[سبأ:19]، وقع الظلم لأنفسهم بأن رجعوا إلى معاصيهم، وتركوا التوحيد وتركوا الاستجابة للأنبياء، ما هي النتيجة بعد ظلمهم لأنفسهم؟ قال: ﴿.. فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ..﴾[سبأ:19]، جعلناهم أحاديث الناس، أحاديث المجالس، ومزقناهم، تقول مزقت ثوبي أي جعلته قطعًا وجعلت كل قطعةٍ في مكان، مزقناهم جعلناهم في كل قارات الدنيا.