أحكام وتوجيهات تخص شهر شعبان واستقبال شهر رمضان الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان

*شهر شعبان*

الواجب على العبد في هذه الايام أن يعقد صُلحاً مع الله عز وجل، وأن يتفقد علاقاته مع الخلق، وأن يدخل هذه المدرسة التي يجب على المسلم وجوباً عينياً أن يخرج منها وقد غُفرت ذنوبه.

وقد دعا جبريلُ وأمنّ نبينا صلى الله عليه وسلـم على ثلاث من بينهم: من أدركَ رمضانَ ولم يُغفر له، والحديثُ ثابتٌ في الصحيح عن جمعٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلـم بألفاظٍ مُتقاربة، أن النبي صلى الله عليه وسلـم رقى المنبر فقال: آمين ثلاثاً، فلما سُئل ذكرَ من بينهم صلى الله عليه وسلـم: من أدركَ رمضان ولم يُغفر له.
صححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ٦٤٦.

وبعض الألفاظ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة” صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ١٦٨٠.
أي: مُرِّغَ أنفهُ بالتراب ذُلاً وصغاراً من شدة صنيعه الذي وقعَ فيه، وهو أنه أدركَ رمضان ولم يُغفر له.

والذي يتأمل الأحاديث الثابتة في الصحيحين التي تنوعت في الأسباب في عمل الصالحات في رمضان، واتحدت في النتيجة وهي ألفاظٌ عديدة ثابتة في الصحيحين، منها قوله صلى الله عليه وسلـم:

– عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا  غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ”. البخاري ٣٨، مسلم ٧٦٠.

– وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ قَامَ رَمَضَانَ – إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا – غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ”. البخاري ٣٧، مسلم ٧٥٩.

– وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.” البخاري١٩٠١.

وهذه أحاديث ثلاثة قالها النبي صلى الله عليه وسلـم بمناسبات مُتعددة، فالأعمال تعددت في رمضان، ولكنها اتحدت في أن المقصد والمُراد من شهر رمضان أن يدخل العبدُ فيه، وقد تصعد أعماله إلى الله عز وجل، وأن يدخُل هذه المدرسة المُباركة فيهذب نفسه.

فالشرع في رمضان أشغل ليلك ونهارك:

– أشغلَ نهارك بأن منعكَ من الملذات، ملذة الطعام والشراب والفرج.

– أشغلَ ليلك بالقيام وتلاوة القران.

فرمضان الإنسان فيه ينبغي أن يكون فيه حاله كحاله في غير رمضان، بل ينبغي أن يكون حاله فيه كما كان حال السلف الصالح، كان يوم صومهم خلاف يوم فطرهم، كما هو المعروف عندهم، وعلى رأس هؤلاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلـم، ولا سيما عند الدخول في العشر الأواخر من رمضان.

فيوغل الإنسان برمضان برفق، حتى إذا وصل للعشر الأواخر يكون قد روض نفسه وعودها، كالخيل الجموح، إن روضت فإنها تستجيب لصاحبها.

ومن ترويض النفس الواجب في هذه الأيام أن ينظُرَ كل مُسلمٍ مُكلفٍ ذكراً كان أم أنثى إلى علاقاته مع الخلق، فرمضان تغلبُ فيه أن يصطلح الإنسان فيه مع ربه عز وجل، وأن يُقبل على الطاعات.

والواجب على كل واحد منا أن يتفقد واجب الوقت، وأن الله عز وجل يتجلى لخلقه ولعباده في ليلة النصف من شعبان كما ثبت في أحاديث سبعة قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن”. رواه ابن ماجه وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة ١٥٦٣.

وفصل في أحاديثهم الإمام الدارقطني رحمه الله في كتابه “النزول”.

اختلف العلماء في معنى مُشاحن على قولين:

١- المُبتدع، وهذا بعيد.

٢- من يوجد بينه وبين المسلم هُجران ومشاحنة من أجل حظ النفس.

واليوم المشاحنات والهُجران التي تقع بين المسلمين لا تكون للأسف إلا من أجل حظ النفس، فالهُجران منه المشروع، وجله في سائر صوره ممنوعٌ.

ما هو الهجران المشروع؟

الهجران المشروع قسمان :

١- إيجابي زاجر.
٢- وقائي مانع.

الوقائي المانع: يكون من ضعف العبد، كأن يكون رجلٌ قد تاب وله أصحاب سوء، ويعلم من نفسه، ومن ضعفه أنه إن صاحبهم فإنه سيتأثر بهم، ولا يُمكن أن يؤثر فيهم، فالواجب عليه أن يهجرهم، فهذا هُجرانٌ يُسمى عند أهل العلم هُجرانٌ وقائي مانع، وهذا خارجٌ من الحديث.

والنوع الأول من الهُجران المشروع الذي لا يدخل في الحديث الهُجران الذي يُسميه العلماء هُجران إيجابي زاجر: وهو يكون في حق أهل الكمالات من الخلق البشري من أصحاب الحقوق، سواء كانت الحقوق معنوية أو مادية.

كالعالم والصالح ورئيس العشيرة والأب أو الزوج: إن علموا أن بهُجرانهم إنما يُردَع المهجور، ويعيده قصراً إلى حظيرة الحق والدين.

إذا كان الزوج مثلاً يعلم من زوجته نشوزاً، أو معصية، وكذا الشيخ والأستاذ والمُعلم من طلبته، وكذا الوالد من ولده؛ فهجره من أجل أن يُعيده إلى حظيرة الحقِ والدين، ولا يوجد لنفسه حظٌ في هذا الهُجران، فهذا الهُجران غير داخل في الحديث.

لكن: هذا الهُجران عزيز، وهذا الهُجران لا يكون إلا من إنسان مُربٍّ، ويكون إنسان فيه شيء زائد عن الشيء الموجود عند الناس، يكون عنده بصيرة، وعنده نور، وعنده تقوى، وعنده علم، ويصنع هذا ويتقصد الخير، وضابطه عزيز ودقيق.

وضابطه ذكره ابن أبي جمرة في شرحه على مختصره لصحيح البخاري المُسمى “بهجة النفوس” ذكر صنيع أبي بكر الصديق رضي الله عنه مع “مِسطح”.

مِسطحٌ رجلٌ فقير من أقارب أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كان أبو بكر رضي الله عنه غنياً ثرياُ يُنفق عليه، واُبتلي مسطح بأن خاض في حادثة الإفك، فكان يخوض في عِرض عائشة رضي الله عنها.

من المُنْفِق؟
أبو بكر.
أبو بكر على من يُنفق ؟
على مسطح.

يُنفق على من يخوض في عرض زوجة حبيبه صلى الله عليه وسلـم، وفي عرض ابنته.

قال ابن أبي جمرة: فبقي أبو بكر يُنفق على مسطح، حتى أنزل الله براءة عائشة من السماء، فلما أنزل براءتها من السماء قطع أبو بكرٍ النفقة.

قال ابن أبي جمرة: لو أن أبا بكرٍ قطع النفقة عليه قبل البراءة، وقبل نزولها من السماء لكان هجرهُ من حظ نفسه، ولكنه لما هجره بعد نزول البراءة من السماء كان الهُجران من أجل الله، انظروا إلى هذا الفرق، وهذا الضابط العزيز.

فأقول: النبي صلى الله عليه وسلـم يُخبرنا “إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن”. رواه ابن ماجه وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة ١٥٦٣.

فالواجب أن تدخل مدرسة رمضان وقد غُفرت ذنوبك.

وقد قالوا قديما في المثل: من أحكم البدايات سلمت له النهايات.

فالواجب قبل الدخول في رمضان أن نُحكم بدايات الدخول.

وكيف نُحكم بدايات الدخول ؟

وذلك يكون بتفقد أحوالنا مع الخلق، فإن وجد بيننا وبين أحد منهم هجران: الواجب علينا أن نقطع هذا الهجران.

اليوم ما أكثر الهجران والعقوق، وما أكثر تضييع أصحاب الحقوق، لا يعرف صاحب الحق لصاحبه إلا صاحب الفضل، اليوم الأبناء يتنكبون للإباء، والإخوان فيما بينهم يتهاجرون والى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله.

والواجب علينا أن نقطع هذا، قبل النصف من شعبان، ونحن الآن على أبواب النصف من شعبان، وقريبو عهد من النصف من شعبان.

من السُنة في هذه الأيام أن نكثر من الصيام في هذا الشهر.

فعَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: “كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ، وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ، أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا.” مسلم ١١٥٦.

والواجب علينا أن نُذكر زوجاتنا وبناتنا بوجوب قضاء ما فاتهن من رمضان الماضي، وأن لا يدخل عليهن رمضان الآتي إلا وقد قضت من أفطرت بعذر ما عليها من أيام بالسبب الذي كتبه الله تعالى على بنات حواء.

هنا مسألة في موضوع الصيام:
هل يُشرع الصيام بعد النصف الثاني من شعبان؟

بالنسبة للصيام في النصف الثاني من شعبان يصامُ في حق من تعود الصيام، واختلف أهل العلم بناء على تصحيح حديث: ” إذا انتصف رمضان فلا تصوموا” سنن أبي داوود ٢٣٣٧ وصححه الألباني.

والنبي صلى الله عليه وسلم كان يُكثر من الصيام في شعبان، فاختلف أهل العلم على كيف يُوفق بين هذا وذاك؟

النبي عليه الصلاة والسلام كان يُكثر من صيام شعبان، ويقول صلى الله عليه وسلـم: “إذا انتصف شعبان فلا تصوموا” سنن أبي داوود ٢٣٣٧ وصححه الألباني.

فمنه من قال: أن النهي خاص فيمن لم يُعرف عنه صيامه، ولم يتعود الصيام، فيُنهى أن يصوم النصف الثاني من شعبان، أي خُذ راحة واستراحة بعد النصف من شعبان حتى ينتهي شعبان، وتستعد لرمضان.

وأما من كان مُعتاداً على الصيام، فلا حرج من الصيام في النصف من شعبان، فمن كان مُتعوداً على الصيام فلا حرج من الصيام في النصف الثاني من شعبان، فالنهيُ مُنصبٌ على من لم يتعود الصيام.

↩ رابط الفتوى :

? أحكام وتوجيهات في أيام شعبان واستقبال شهر رمضان ? ?? لفضيلة شيخنا : مشهور بن حسن آل سلمان حفظه الله .

◀ خدمة الدرر الحسان من مجالس الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان ✍️✍.