السؤال التاسع: أخٌ يسأل: هل كل مسلمٍ مؤمن ؟

السؤال التاسع:
أخٌ يسأل: هل كل مسلمٍ مؤمن ؟

الجواب:
في سورة الحجرات: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}[الحجرات: ١٤].
فكل مؤمن مسلم، وليس كلّ مسلم مؤمن، فالمؤمنُ مسلمٌ وزيادة.
المسألة تحتاج إلى تفصيل وتدقيق.
وخلاصة أقوال العلماء في الإيمان والإسلام: فرقٌ بين الإيمان والإسلام في ذاتهما، وفرقٌ بينهما بمتعلِّقهما.
فالدنيا لا يوجد فيها إلا دائرة إيمان ودائرة كُفر، (فالإيمان بنفسه أعمّ من الإسلام، والإيمان بأهله أخصّ من الإسلام) هذه الجملة الدقيقة التي يتكلم عنها العلماء، الإسلام جزء من الإيمان، والإيمان بأهله أخصّ من الإسلام.
فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا.
ففرقٌ بين الإسلام والإيمان بنفسه، وبين الإيمان والإسلام بأهله.
ولذا هذه القاعدة تجلّي بعض الأجوبة.
هل كلّ مسلم مؤمن؟
الجواب: لا، كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن، لأن الفرق بينهما بالأهل.
السؤالُ الآخر: من الأفضل، الإيمان أم الإسلام؟
الجواب: الإيمان أفضل من الإسلام في ذاته، لأنك إن قُلتَ الإيمان [انتبه! انتبه! حتى تفهم، وأريد أن أفصّل] يعني اجعل هذه دائرة إيمان وهذه دائرة إسلام وبينهما تداخل، هكذا، دائرتين بينهما تداخل، هذا التداخل يكون في حق المسلم العاصي.
المسلمُ إن عصى الله، هل يكفُر؟
لا يكفر.
مَن الذي يُكفّر بالكبائر؟
الخوارج، أراحَنا الله من شرّهم، فهم يكفرون الناس بالمعصية.
فهذه الدائرة، هذه إيمان بذاتها ابتعد عنها دائرة الكفر، الإيمان واضح، لكن لما تتداخل بينهما تفعل هكذا، وتكون القسم المشترك بين دائرة الإيمان والإسلام من نصيب المسلم العاصي.
فالمسلم العاصي هل هو في دائرة الإيمان؟
نعم بذاته.
لكن هل المسلم العاصي هو مؤمن؟
لا، لأن الأصل في المؤمن أن يكون خارج الدائرة المشتركة، الدائرة بين الإيمان والإسلام، حتى تبقى في دائرة الإيمان لازم تخرج عن هذه الدائرة المشتركة، لكن لماذا وقعت هذه الدائرة المشتركة؟
حتى نُدخل من كان مسلماً عاصياً.
لذا الله جل في علاه لما حمّل الإنسان الأمانة، قال: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً}، بعدها مباشرًة قال اللهُ عزّ وجل: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقينَ وَالمُنافِقاتِ وَالمُشرِكينَ وَالمُشرِكاتِ وَيَتوبَ اللَّهُ عَلَى المُؤمِنينَ وَالمُؤمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفورًا رَحيمًا﴾[الأحزاب: ٧٢-٧٣].
بعد حمْل الأمانة قسّمَ اللهُ الناس إلى ثلاثة أقسام.
الناس من حيث حمْل أمانة الإسلام أقسامٌ ثلاثة لا رابع لها:
– منهم من ردّ الأمانة بالكُليّة في الظاهر والباطن وهؤلاء هم المشركون.
– منهم من حمَلَ الأمانة في الظاهر ولم يحملها في الباطن وهؤلاء هم المنافقون.
– والقسمُ الثالث قال الله عزّ وجل: -والقرآن مليء بالدُرر و بالفوائد وما أحوجَنا أن نتدبّر القرآن- قال اللهُ عزّ وجل: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ المُنافِقينَ وَالمُنافِقاتِ وَالمُشرِكينَ وَالمُشرِكاتِ}[الأحزاب: ٧٣]، هذه اللام للتعليل،
ولما ذكَرَ المؤمنين قال: {وَيَتوبَ اللهُ عَلَى المُؤمِنينَ وَالمُؤمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفورًا رَحيمًا﴾[الأحزاب: ٧٣].
الأمانة ثقيلة ولا يمكنُ لأحدٍ أن يحملَها إلا المعصوم، الذي عصَمَه الله من الأنبياء.
العاصي في هذه الأصناف الثلاثة أين يدخل؟
يدخل في قوله تعالى: “وَيَتُوب اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ”.
لذا قال الله فيها: “وَيَتوب” وختَمَ الآية بقوله: “وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا” فالعاصي حاملٌ للأمانة في الظاهر، وفي الباطن.
ولذا أهل السنة والجماعة يقولون: مرتكب المعصية ومرتكب الكبيرة ليس بكافر، إلا إن استحلّها.
يعني لو عندنا شخصين:
– شخصٌ يشربُ الخمر ويقول: أسأل الله أن يتوب عليّ، أنا عاصي، أسأل الله أن يغفر لي، أنا مبتلى بالخمر، أسأل الله أن يغفر لي.
– وشخصٌ آخر عندنا لا يشربُ الخمر، لكنه يقول: هي حلال.
فالأول عاصي والثاني كافر.
فالمستحِلّ كافر، إن شرِب أم لم يشرب، قال أنا فقط مزاجي لا أحب الخمر، ولا أشربها، لكن هي حلال، فمن استحلّ ما حرّم الله كفرَ باستحلالِهِ؛ لأنه ضادَّ الله في حُكمِه، فالله يقول حرام وهو يقول حلال، فهذه المضادّة هي الكُفر وليست هي الشُرب، الشُرْب ليس كُفراً، الشرب إثم، لكن مضادة أمر الله هي الكُفر.
لذا الخوارج -لما يستدلّوا- قالوا: آدم عصى أمرَ الله فكفر، قلنا: لا، أعوذ بالله، هذا الكلام خطأ، لأنه آدم عصى الله، الله يقول: ” وَعَصَىٰ آدَمُ” فآدمُ عصى الله، وإبليس عصى الله.
لذا أنت -وأنت طالب علم- ينبغي أن تدقّق.
لماذا كَفرَ إبليس؟
أبى واستكبر، ضادّ الله في حُكمه، قال: خلقتني من نارٍ وخلقتَهُ من طين، فلماذا أسجُد له؟
إذاً، كُفر إبليس هل هو للمعصية
أم كفر إبليس لأنه استكبر على أمر الله؟.
الجواب: لأنه استكبر على أمر الله وليس المعصية.
فالخوارج يقولون: المعصية، نقول: لا، آدم عصى وإبليس عصى، لكن كُفْر إبليس ليس للمعصية، لو كان كُفر إبليس للمعصية لكان آدم كافراً -وحاشاه-.
هل العبد المؤمن يقع في معصية؟ نعم؛ يقع في معصية.
هل الولي لله يقع في معصية؟
نعم يقع في معصية.
ويتوب الله تعالى على من تاب، وهكذا.
هل يُستثنى من الإيمان؟
طبعاً، لأن العمل جزء من الإيمان.
الإيمان عند أهل العلم: هو اعتقاد بالجَنان (بالقلب)، ونُطق باللسان، وعمل بالأركان.
فالأركان والعمل جزءٌ من الإيمان.
ولذا هل العمل رُكن من الإيمان؟
نعم.
لكن هل هو محصور بالصلاة؟
لا، هذا الخلاف بين أهل العلم، هل تارك الصلاة كافر، أم ليس بكافر.
ولذا الله عزّ وجل ربط بين الإيمان وبين العمل.
لكن هل العمل يجبُ أن يظهر لك؟
لا، الأصل أن نعامل الناس أنهم مؤمنون.
هل الإيمان يجوز يُستثنى منه؟
نعم الإيمان يجوز أن يُستثنى منه.
ماذا يعني يستثنى منه؟
يعني تقول: أنا مؤمن -إن شاء الله-، يجوز أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وليست(إن شاء الله) هذه للشك، وإنما (أنا مؤمن إن شاء الله) لأن العمل من الإيمان، وأنا أتيت بجزء من العمل، وتركت شيء من العمل.
هل الجهاد من الإيمان؟
الجهاد من الإيمان.
فإذا ما وقع الجهاد هل فُقد المؤمنون؟
لم يفُقد المؤمنون.
لماذا؟.
لأنه يجوز لك أن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أنا مؤمن فيما أقدِر، أنا عازمٌ على ما أفعل.
ولذا قال النبي – ﷺ- في الحديث : ” مَن ماتَ ولم يحدِّث نَفسَهُ بالغَزوِ ماتَ علَى شُعبةٍ من نفاقٍ” (صحيح أبي داود ٢٥٠٢) على شُعبة من شُعب النفاق، فليس منافق، وليس كافر.
وهذه الدقائق وهذه المسائل تحتاج إلى تفصيل.
هل يتبعّض الإيمان؟
نعم، الإيمان يتبعّض مثل التوبة، واحد عامل معاصي، ومصرّ على ذنب، وهُناك ذنْب آخر، هل التوبة تتبعّض؟
نعم.
يعني واحد -والعياذُ بالله تعالى- لا يضبطُ لسانه، وما أكثر الناس الذين لا يضبطون لسانهم ويخوضون في أعراض الناس، فتاب مِن تركه للصلاة، أو تاب من شُرب الخمر، وبقي يتكلم في الغيبة والنميمة، هل توبتُهُ من شُرب الخمر تصحّ؟
تصح، لأن التوبة تتبعّض، بناءً على الأصل الذي ذكرناه قبل قليل أن العاصي ومرتكب المعصية ليس بكافر، فإذا كان مرتكب الكبيرة ليس بكافر، فإذاً يجوز التبعّض، لكن لو كان كافراً فإنه لا يجوز التبعّض.
ولذا عند أهل السنة الإيمان يتبعّض، بخلاف الخوارج، والتوبة تتبعّض، وهكذا.

والله تعالى أعلم.

⬅ مجلس فتاوى الجمعة:

٣، جمادى الآخرة، ١٤٤٠ هـ
٨ – ٢ – ٢٠١٩ افرنجي

↩ رابط الفتوى:

السؤال التاسع: أخٌ يسأل: هل كل مسلمٍ مؤمن ؟

⬅ خدمة الدرر الحسان من مجالس الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان✍🏻✍🏻

📥 للاشتراك:
• واتس آب: ‎+962-77-675-7052
• تلغرام: t.me/meshhoor