مسألة: القرض الحسن ومنع الربا
النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “مَطْل الغني ظُلم”. فالظالم هو المماطِل.
وربنا يقول:﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾.
وكان رجل يأتي أبا اليَسَر -والقصة جميلة في صحيح مسلم- وكان أبو اليَسَر مَديناً لهذا الرجل، فكان يختبئ منه ويهرب منه، ما يستطيع أن يسُد حتى رآه مرة، فقال له: “إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَن أنظَرَ -أي أمْهَل- مُعسِراً، أظَلَّهُ الله في ظِله يوم لا ظِلَّ إلا ظِله”.
فمَن كان له دين على آخَر وحان الوقت والأجل، فأنظِرْه من أجل الله، أي أمْهِلْه من أجل الله.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: “مَن أنظَرَ -أي أمْهَل- مُعسِراً أظلَّه الله في ظِله يوم لا ظِلَّ إلا ظِله”.
ويا إخوانا من سبب انتشار الربا هذه الأيام عدم القرض الحسن، وعدم الوضوح والصراحة والقوة والجُرأة في تحقيق شروط القرض الحسن.
والله كثير من المُرابين -النسبة الغالبة من المرابين- عندهم من الجيران والأقارب والأصحاب أموال، لو أقرضوهم ما حصل شيء. عندهم أموال مهملة. لكن للأسف في أزمة عند الناس: أزمة الثقة، وفي جُبن. الشجاعة اليوم قليلة، وعنوان الحضارة اليوم التمثيل والمظاهر الجوفاء وعدم الوضوح.
أنت شرعاً في دين الله إن طُلِب منك دَين، ممنوع الدَين حتى تكتب، لقول الله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾. اكتُب، ما الذي يمنع؟ اكتُب يا أخي. بدك 1000 دينار؟ بدك 200 دينار؟ أعطني شيك فيهم. حِفظ الحق، ما في مشكلة. أعطني رهن. أغلب الناس الذي عندهم رِبا عندهم زوجات عندهم ذهب. احظر لي يا أخي الذهب وخُذ قيمته واَرْهَن. كم بدك؟ سنة؟ أصبر عليك سنة ونصف. وأنا بعد السنة أبيع الذهب. ماذا يجيب؟ لي و الباقي لك. ما الذي يمنع الناس هكذا؟
تأملوا معي رواية في موطأ مالك وهي رواية تبيِّن داءً عظيماً في الأمة.
يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا الظنَّ الناس” – ما معنى الظنَّ؟
أمسَك.
“إذا ضَنَّ الناس بالدينار والدرهم، تبايعوا بالعِيْنة، سلَّط الله عليهم ذُلاً لا يَنزعه عنهم حتى يرجعوا إلى برِّ دينهم”.
أصل التبايع بالعينة ما هو سببه؟ الظنُّ بالدينار والدرهم، البُخل بالقرض الحسن. فالقرض الحسن لو أهل الديانة، أهل المسجد، فيما بينهم، ما يُقرِضوا أيضاً خارج المسجد في المسجد يصير في قرض حَسَن. أهل الديانة فيما بينهم بالشروط الشرعية الواضحة، على الأقل يقف أُناس بين يدي الله ليسوا مُرابين.
قديماً كان الرجل يدخل البلدة ويُقال: فلان وفلان مُرابي.
اليوم بتدخل المسجد وتكاد تقول: فلان وفلان غير مُرابي.
ما أقول القرية، أقول المسجد. تدخل المسجد وتكاد تعدد غير المرابين، وقد تجدهم وقد لا تجدهم.
السبب: ظنُّ الناس بالدينار والدرهم.
بعض الناس محتاجين، والناس في القرض لهم مذاهب عجيبة غريبة.
وسبب فساد بعض الناس في القرض -سواء في الفقه أو في التطبيق- ولدَ إلغاء القرض عند أُناس آخرين.
القرض -يا إخوانا- في الشرع، مسألة.
ولذا يَحْرُم على الرجل أن يطلب قرضاً إلا لحاجة مُلحَّة وضرورة مرَّت به .
شرعاً ما يجوز واحد يطلب من آخر قرض، والله يأتي واحد على الثاني يقول له: “والله أعطيني 20,000 دينار بدي أفتح مصنع”. هذا فقه اعوج وليس فقه حسن. تريد تطلب من واحد 20,000 دينار مثلاً؟ة اطلب منه 20,000 دينار شركة. قل له: “يا أخي أنا عندي مشروع، والمشروع بإذن الله رابح، وأنا عندي قُدرة وما عندي مال، ممكن تستثمر بالمال، عندك أموال تستثمرها عندي”.
أما واحد يذهب على آخر يقول: “والله أعطيني 20,000 دينار دَين، أنا بمون عليك وأنت حبيبي وتعرف ثقتي وتعرف ديني”.
أنت يا أخي شرعاً لا يجوز لك أن تستدين 20,000 دينار، أنت تستدين قَدْر حاجتك.
الدَّين مسألة في دين الله، والمسألة لا تجوز إلا بمقدارها وعند الضرورة. ما يجوز لشخص يذهب عند آخر يقول له: “والله أنا عندي مشروع بدي أبني طابق وأستثمره، وبدي أُؤجِّره وأستفيد منه، تعطيني قرض؟” لا والله، فلوسي أنا أستثمرها لماذا تستثمرها أنت. لكن يجوز لشخص يقول له: “والله يا أخي، بيتنا كبير وعنا غرفتين والآن بدنا نَستُر الأولاد، نَستُر البنات، نبني لهم كمان غرفتين، نبني طابق؛ لأنه العائلة كَبُرت، نزوِّج الولد، نبني له، نَستُر في شيء”. يأخذ قرض، ليس مشكلة في هذا. أما واحد والله بده يبني بيت ويَبني طابق عشان يأجِّره يقول: “أعطيني قرض”، ليس شُغلك هذا، هذا شرعاً ليس لك.
فالقرض في شرع الله مسألة، لا تجوز المسألة إلا للضرورة. ومَن طلب منك قرضاً لضرورة وعندك مال زائد، يَحْرُم عليك شرعاً أن تُمسكه عنه. ما يجوز لك أن تُمسك عن الذي بحاجة وضاقت به السُّبل، إما قرض وإما ربا يجب أن تُعطيه القرض بمقدار، ويَحْرُم عليك أن تُعطي القرض دون توثيق، دون كتابة أو دون رهن. يا الله ما أجمل أحكام شرعنا! لكن كلنا نتغافل عن أحكام الشرع. فلما المقترِض لا يطلب إلا لحاجة، ولما أنت تعطي بتوثيق، ثم لك نصف أجر الصدقة. أعطيت واحداً قرض 200 دينار، رجع لك إياهم 200 دينار، كتب الله لك صدقة بـ 100 دينار. الـ 200 رجعوا لك، والـ 100 صدقة، تصدقت بالنصف.
تفضل أخ أبو إسلام: نفس المشكلة نقع فيها.
المتحدث: نعم.
أخ أبو إسلام: نعطي مبدأً من المال، رَجَع لنا هيك. صدقات مش صدقات قرض حَسَن. ولكن الإخوة ملتزمين، وربما يصلون في الصف الأول، ما التزموا. يجي واحد مُحتاج ومضطر، بده يجي تقرضه، في ما في. بما أن هذا يعتبر كذب، بما أنه ناس آخرين في ورا موجودين ما التزموا. وهم يصلوا في الصف الأول.
المتحدث: هذه المصيبة! [يضحك] نذكر لك أسماء؟
أخشى تذكر أول حرف منهم. هو يصلي بالصف الأول. وحمامة المسجد. يعني قبل حوالي سنتين الله يحفظك، اصبر على حالك. الله يكرمك. واحد يشكي عليك، أنت شو بتشكي على…
هذا باب آخر للأسف الكبير موجود عند المشايخ، موجود عند طلبة العلم، وعند بعض أهل الديانة، يُقصِّر ولا يُبالي بحال الناس.
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: “إياكم وما يُعتذر منه”.
يجب على صاحب الدَّين ألا يُوقِع نفسه في موطن يُطلب فيه الاعتذار من الناس.
“إياكم وما يُعتذر منه”.
ومَن أحكم البدايات سَلِمَت له النهايات.
أنت تريد القرض، ينبغي أن تكون واضحاً مع مَن يُعطيك القرض. إذا كنت متيقناً تُعطيه 20 ديناراً سداد كل شهر، لا تقول 30. قلِّل ولا تُكثِر. ليكُن الأمر لك ولا يكُن عليك. ولست أنت -أخ أبو إسلام- أول مَن يشكو من هؤلاء. أحد إخواننا أصحاب الأموال، مِن عند أول ما عَرَّفَه الله عز وجل على دينه قال: “أنا عندي 10 آلاف دينار قرض حَسَن للإخوة” وأصبحوا الإخوة يستدينون منه. ثم أقل من سنة قال: “خلص المبلغ”. ما احد يجيب: “أنا كنت أظن إنه يعني يبقى المبلغ، وأبقى أنا أكسب الأجر”. قال: “لا ترسل لي أحد إلا فقير بده زكاة، أعطي له زكاة”. غير الزكاة ما أُعطي أحداً.
فالشاهد -بارك الله فيكم- أن حالنا وواقعنا وطريقة تعاملنا -للأسف الكبير- تُبعِد الناس عن دين الله جل في علاه،روإلا والله ما أجمل أن يكون أهل الدين بينهم تكافل، وبينهم ترابط، وبينهم نوع من سد الحاجة وما شابه.
المسجد يجمع أهل الديانة وأهل الخير ليس فقط على الصلاة، وإنما على كل خير.
ولذا هذا -في الحقيقة- عدم المبالاة موجودة عند بعض مَن يَرتاد المسجد، وعند بعض المشايخ، وعند بعض طلبة العلم. وهذا أمر شرعاً يجب الحذر منه.
المصدر :
مقتطع من محاضرة “تسمية البنوك بالإسلامية” لفضيلة الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان.✍️✍️
◀️ الرابط في الموقع الرسمي :
