السؤال السابع: الرد على الطاعنين في الصحابة

السؤال السابع: الرد على الطاعنين في الصحابة

بعض المخالفين لما تنصحهم باتباع فهم السلف واتباع الصحابة والتابعين، يقولون: كيف نتبع أُناساً ارتدوا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنهم مَن زنا ومَن سَرَق؟ فكيف نرد على هؤلاء؟

الجواب :
إخواني، ديننا عملي، وليس نظرياً.
ولذا نحتاج إلى أمرين في الدين: نحتاج إلى مبادئ نظرية، ونحتاج إلى قدوة عملية.
وهذه من حكمة الله أنه بعث النبيين بشراً.
والنبي صلى الله عليه وسلم علَّم وزكَّى، والنبي أفلح في مهمته. ولذا كما أن الله اختار محمداً من بين سائر البشر، اختار صحابته من بين سائر البشر. والصحابة بنص القرآن مُزكَّون مُعلَّمون؛ أخذوا النصيب الواجب عليهم من العلم، سواء الواجب العيني المتحقق في كل شخص، أو الواجب الكفائي المتحقق فيهم بالجملة.
وهذا العلم أثَّر على حياتهم وعلى قلوبهم وعلى صلتهم بربهم فزكَّاهم.
والله قال: ﴿يُعَلِّمُهُمْ وَيُزَكِّيهِمْ﴾. فالله بعث النبي لهذا، ولذا الصحابة مُزكَّون مُعلَّمون.

ولذا يا إخوة، مَن يطعن في الصحابة جميعاً هو -في حقيقة أمره- يطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لو قلت: إنه في حقيقة أمره يطعن في الله، فستُصيب. مَن يطعن في جميع صحابة رسول الله هو في حقيقة أمره يطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل في حقيقة أمره هو يطعن في الله جل في علاه.
مَن طعن في جميع أصحاب رسول الله كافر، والإسلام منه بريء.
تخيلوا لو أن واحداً يطعن في جميع أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم سألنا سائل فقال: أنَّى لنا أن نعرف أن هذا القرآن كلام الله؟
ماذا نقول؟
كيف وصلنا القرآن الكريم؟ !
هدم للدين ونَسْف للقرآن وإبطال صلة القرآن بالله إذا طعنا في جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بل أهل العلم يقررون أن مَن طعن في صحابي واحد لأنه صحابي، لأنه من أصحاب رسول الله، فهذا كافر.
لكن مَن طعن في صحابي لشبهة، لغرض، لشيء وقع عنده، ولم يطعن في جميع الصحابة، فهذا والعياذ بالله تعالى ارتكب كبيرة من الكبائر.
“دعوا لي أصحابي”، هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدكم ولا نصيفه”.
هذا الحديث عند مسلم، بل في الصحيحين من حديث أبي سعيد، وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: “لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً”، وفي رواية عند البرقاني في كتاب المصافحة -حَسَنة الإسناد، حسَنة المعنى- فيها زيادة يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم: “لو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد كل يوم ذهبا ما بلغ مُدَّ أحدهم”.
مُدّ من بُرٍّ تصدَّق به، والجبل من ذهب، الذهب أحد. سلسلة جبال أُحُد، مَن رآها يعلم أنها سلسلة جبال، مَن أنفق مِثلها ما بلغ مثل مُدِّ قدَّمه أبو بكر أو عمر رضي الله تعالى عنه.

“لعن الله من سب أصحابي”. فالصحابة إن أُقيمت عليهم -على بعضهم- الحدود، فتابوا وطَهُروا. ومَن أُقيم عليه الحد فالوفاة [المقصود: تطهير له]. أنت لا تأخذ عنه الآن، وإن روى شيئاً فهو مُزكَّى مُعلَّم. الصحابة بأفرادهم ليسوا بمعصومين، لكنهم بمجموعهم معصومون. ففرق يا إخوة بين أن نتكلم عن قول صحابي واحد انفرد بقول، أو عن مسألة وقع فيها خلاف بين الصحابة، أو عن أصل فهم الصحابة للدين. فرق بين أن نتكلم عن مسألة في التوحيد وفي العقيدة كانت كمنهج للصحابة نَهَجوا فيها، وبين مسألة نتكلم فيها عن مسائل الفروع التي يقع ويسع فيها الخلاف.

وكان القاسم بن محمد وعمر بن عبد العزيز رحمهما الله، وهما من التابعين، كانوا يقولون: “ما أحب أن لي كذا وكذا ويتفق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم”. كانوا يحبون اختلاف الصحابة. وقال الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه الموافقات: معنى مقولة القاسم وعمر بن عبد العزيز أنهم ما كرهوا اتفاق أصحاب رسول الله، ولكنهم أحبوا خلافهم على معنى: لو لم يختلفوا -لو أن الصحابة في بعض المسائل ما اختلفوا- فالويل لمَن بعدهم إن اختلفوا! فالحمد لله الذي شقّوا لنا هذا السبيل، وإلا لو ما اختلفوا واختلفنا لهلكنا. ولكن لما وجدنا نوعاً من خلاف في بعض المسائل بين الأصحاب، وهم الأُسوة والقُدوة، فإن وقع الخلاف فيمَن بعدهم، فالحمد لله تبقى قلوبنا مُرتاحة، ونبقى مطمئنين للخلاف في بعض المسائل بضوابط معروفة عند الفقهاء والعلماء. وإلا لو لم يقع الخلاف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما جاز لمَن بعدهم أن يختلف.

والاختلاف بين الفقهاء له ضوابطه.
لكن هذا لا ينسف أن نقول: كيف نربط الناس بمنهج الصحابة؟ نربط الناس بمنهج مَن؟ بأي جيل؟ بمَن نربط الناس؟ الصحابة رضي الله تعالى عنهم ليس اتفاقهم كاختلافهم، وليست المسائل العقدية كالمسائل الفقهية، وليست المسائل الفقهية التي أُجمعوا عليها أو لم يُحفظ خلاف فيما بينهم فيها. حتى المسألة التي لم يَرِد فيها إلا قول صحابي واحد ولم يُعرَف له مخالف، ولم يقع خلاف بين الصحابة، فكان العلماء رحمهم الله تعالى يقدمونهم، ولا يقولون بغير قولهم لأن الدين قد كمُل. ورحم الله سعيد بن المسيب فإنه كان يقول: “ما لا يعرفه أهل بدر فليس من دين الله في شيء”، أسنده عنه بإسناد صحيح الحافظ ابن عبد البَر في جامع بيان العلم. وكان عامر الشعبي يقول: “إذا استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل”.

نرى أن عند الشافعي مثلاً في كتابه” الأم” رحمه الله، في أكثر من مَبْحَث من مباحث الحج، لما كان يُقرِّر مسألة، كان يقول رحمه الله: كان يقول: “قلّدت فيه عطاء”. فكانوا يهابون من الانفراد واقتحام المسائل دون أن يكون لهم فيها سَلَف. والشافعي خرج من مكة تلميذاً وطالب علم ورجع إليها إماماً، فجلس في بيت الله الحرام، وقال -وحَقَّ له أن يقول رحمه الله-: قال للناس: “سَلوني. وما يسألني أحد منكم عن مسألة إلا أجبته فيها بكتاب الله”. فقام له رجل من الدُّهماء من العامة فقال: “يا إمام، يا أبا عبد الله، دخلت المسجد بيت الله الحرام ودست زنبوراً [أي: حشرة]، وقتلت زنبوراً. فما هو جوابك من كتاب الله؟” (يعني: دست حشرة وقتلت حشرة، والمنطقة الحرام لا يجوز فيه قتل هذه الحشرات وهذه الأشياء). قال: “ما هو جوابك من كتاب الله؟”. فَحَمِد الله تعالى، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾. ثم أسند إلى حديث العِرباض بن سارية: “عليكم بسُنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين من بعدي”. فسنة الخلفاء المهديين الراشدين من بعدي هي من أمر الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾. ثم أسند: عمر بن الخطاب سُئل عن رجل قتل زنبوراً وهو مُحرِم، فقال عمر: “لا شيء عليك”. فقال الشافعي رحمه الله: “هذا جوابي من كتاب الله”. هذا الدين دين الله عز وجل.

وينبغي أن نعلم أن الله عز وجل لا يخفى على علمه شيء، وأن له إرادة وقُدرة لا يُجاوزها شيء. ولذا، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر”، وقال: “عليكم بسُنتي، إنه مَن يعِش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسُنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين من بعدي”. فالله جل في علاه أوحى لنبيه أن يقول هذا؛ لأن الله يوحي بالسنة كما كان يقول هشام بن حَسَّان كما عند الدارمي: كان يقول: “إن الله يوحي بالسنة كما يوحي بالكتاب من عند الله”. وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يُسأل فيقول: “لقد جاءني جبريل آنفاً وقال لي…”. فالسنة وحي من الله جل في علاه. وعلم الله ليس بمحدود في وقت، في عصر، في جيل، علم الله عز وجل يشمل كل مكان وكل زمان. ولذا، ينبغي أن نعرف فضل أسلافنا، وأن نعرف فضل الصحابة، وينبغي أن نترسم فهمهم. ومَن يتبع غير السبيل، غير سبيل المؤمنين، فالوعيد في سورة النساء: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. ومَن يتبع غير سبيل المؤمنين، فهذا والعياذ بالله. وسبيل المؤمنين هم الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

المصدر :
مقتطع من محاضرة “تسمية البنوك بالإسلامية” لفضيلة الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان.✍️✍️

◀️ الرابط في الموقع الرسمي :

السؤال السابع: الرد على الطاعنين في الصحابة