السؤال الثامن: المؤاخذات على البنوك الإسلامية (مسألة الإيداع والأرباح)

السؤال الثامن: المؤاخذات على البنوك الإسلامية (مسألة الإيداع والأرباح)

سؤال قديم جديد يسأل دائماً: أودع رجل مبلغاً في البنك الإسلامي، وقال له: “لا تستطيع أن تسحب منه شيئاً على مدار سنة كاملة ولك أرباح”، فهل يجوز أخذ هذه الأرباح أم لا؟

الجواب :
ذكرت أكثر من مرة في أكثر من مجلس أن المؤاخذات على البنوك الإسلامية مؤاخذات ثلاث كلية:
1- المؤاخذة الأولى:
أن البنك الإسلامي كنظرية -من خلال دراسات الباحثين المطلعين- هو للأسف خير منه كواقع.
إن قرأ الباحث أو طالب العلم كُتب العلماء والباحثين الذين كتبوا عن المصارف، فيجد كلاماً جيداً، ولكنه إن وقع الاحتكاك والمُعاملة، فيجد أن البنوك والمصارف كنظرية خير منها كواقع للأسف.
2- المؤاخذة الثانية:
أن البنوك الإسلامية بنوك مُرخَّصة من البنك المركزي، وله عليه شروط ولهذه الشروط أثر في المعاملات.
فأنت لما تودع مبلغاً في البنك -أياً كان إسلامي أو غيره- فإن ربع المبلغ هذا يتحول للبنك المركزي، وما عدا ذلك مُكابرة؛ أصلاً البنك ما رُخِّص إلا بهذا الشرط.
إنه أودعت 100 دينار، 25 ديناراً مباشرة تذهب للبنك المركزي وإذا وصلت البنوك للبنك المركزي، فحينئذ يُستفاد من المبالغ بالدقائق -لا أقول بالأيام-، الدقائق يستفيدون منها بالتشغيل.
3- المؤاخذة الثالثة:
أن الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية -وأتكلم على البنوك التي في بلادنا حتى لا أظلم، وربنا يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾-، البنوك التي في بلادنا المسماة إسلامية، الرقابة الشرعية فيها مُهدرة أو مُهملة والناس أقبلوا على البنوك لا لِحُسن خِدمة، وإنما خوفاً من الله، ومن حق هؤلاء الناس أن يعلموا، وأن تُعقد الندوات، وأن يُسمع لهم، وأن تُزال الشبهات؛ ضريبة هذا الإقبال، الذي يُقبِل له حق على أصحاب البنوك، والرقابة الشرعية تكاد تكون مُهدرة. وبودي لو أن البنوك -البنك الإسلامي الأردني- على الأقل يجاري سائر البنوك في غير هذه البلد.
فمثلاً بنك التمويل الكويتي وبنك دبي الإسلامي.
وقد يقول قائل: “هذه البنوك في بلاد غنية”، وهم من البنوك التي -تحوز الأشياء- تبيع شيئاً حازته، يعني تملكه. أنت لما تذهب لبنك الكويت أو تذهب إلى بنك دبي، هم يعرضون عليك أشياء يملكونها، وأنت تذهب إلى معارضهم، مثلاً تريد سيارة، تذهب إلى معارضهم، وتَرى السيارات، وتشتري شيئاً مما يملكون.
فقد يُقال: هذه بلاد غنية.
نقول: للأسف، بنك فيصل السوداني في السودان يملك هذه البضائع أيضاً.

والجواز أن تأخذ مالاً بمال وتُدخِل السلعة إدخالاً غير حقيقي، مَن جوَّز هذا يلعب بدينه.

ولذا بلغني عن بعض المفتين الذين جوَّزوا البنك الإسلامي لما حصل بينه وبين الإدارة شيء قال لهم: “اسحب الفتوى، بسحب الجواز، ديروا بالكم، بسحب الجواز”. عارف أنه يلعب، ويعلم أنه يلعب.

وإخواننا مَن أراد أن يجد جوازاً بتطويع وتمييع ومداخلات في أي مسألة من المسائل، يجد الجواز، حتى في الحرام الصِّرف يجد الجواز. والأحكام -كما هو معلوم عند طلبة العلم- لا تدور مع الأسماء، تدور مع حقائق الأشياء.

وبَلَغني واعرف الرجل الذي وقعت منه المعاملة -بحيث لو سمعني أو بَلَغ هذا كلامي هذا للمسؤولين في البنك، فأنا على استعداد أن أواجههم-: جاء رجل يطلب قرضاً من البنك الإسلامي، فقالوا له: “ما نستطيع نعطيك قرض”.
قال: “أنا الآن مضطر، وأنا جئتكم حتى أبتعد عن البنوك الربوية، وإلا أنا مضطر للذهاب للبنوك الربوية”.
فشفقوا عليه.
فقالوا له: “أتملك شيئاً؟
قال: “عندي بيت باسمي”.
قال: بِعْنَا البيت بـ 14 ألفاً”.
بِعْنَا البيت ونبيعك إياه.
بِعْنَا إياه ماذا الآن؟
نَقْداً.
وبنبيعك إياه بماذا؟
بالأقساط.
بِعْنَا إياه بـ 14، وبنبيعك إياه بـ 18.
فَرُوح الرجل للبيت عندهم بـ 14 وعليه 18 ألفاً.
قال لك: “هذا بيع مُرابحة، نحن اشترينا السلعة وبعنا السلعة”.

هذه السلعة بهذه الطريقة لما سُئل عنها عبد الله بن عباس -كما عند عبد الرزاق في المصنَّف- قال: “مال بمال بينهما حَرِيرة”.
وقال عمر بن عبد العزيز لما سُئل عن هذه المعاملة -عن مِثل هذا- قال: “هو أو هي: أخِيَّة الربا”.
يعني هي والربا سيان.
مال بمال.
لماذا اللف و الدوران؟
أنت لما تروح البنك الإسلامي تريد سيارة، أنت يا تُرى تذهب للبنك لأنه مصنع؟
تذهب للبنك لأنه مَتجر؟
أم تذهب للبنك لأن عنده مال؟ تذهب لأن عنده مال. لا تذهب لأي شيء آخر.

وبالتالي الرجاء -والنفوس تملأ منه- ونرجو أن نجد قلوباً وعقولاً عند المسؤولين في البنك الإسلامي على الأقل أن يفكروا بِجِدٍّ في مسألة اقتناء البضاعة، وأن يعاملوا عُملاءهم على أنهم تجار، بحيث يصح أنهم باعوا.

دعونا الآن من البنك الإسلامي لو تكلمنا عن واحد اسمه أبو محمد سهران عند جار له اسمه أبو محمود.
أبو محمود عنده ولد بده يتزوج، وما عنده مال، وقال: “بدي غُرفة نوم بـ 1000 دينار، والله ما عندي فلوس، بدي أروح على البنك الإسلامي، وهو يشتريلي إياها”. طبعاً أنت يا مسكين يا عميل البنك الإسلامي، أنت اللي بتذهب وأنت اللي بتشوف وأنت اللي بتساعر وأنت كل شيء، بتروح على البنك بس ماذا؟ تسجل.
بيقول لك: “نحن نسجِّل”. أنت بتسجِّل عشان الحلال والحرام! أنت بتسجِّل عشان نفسك! أنت بتسجِّل عشان حقك! إذا عشان الحلال الحرام امتلك البضاعة، غامِر بشيء قليل.
فكيف لما البنك الإسلامي يُؤمِّن على بيعك بعد، يبيعك ويكون عامل عقد تأمين، وهذه طامَّة أخرى من طامَّات البنك.

فأبو محمد قال لأبي محمود: “بدل ما تروح البنك الإسلامي، رُوح أنا وإياك خذ لك الـ 1000 ليرة اشتري غرفة النوم للولد، أعطيني اياه 1050، أعطينيها 1050”. شو رأيكم في المعاملة؟ ربا. طيب أبو محمود قال لأبي محمد: “تعال وإياك نروح على المعرض. يلا يا أبو محمود حَمِّل غرفة النوم وهي الـ 1000، أعطيني 1050”. شو الفرق الآن؟ تغيَّرت المعاملة؟ ما تغيَّرت. لا أبو محمود يبيع غرف النوم ولا يتاجر في غرف النوم ولا وجعه رأس. معه 1000 ليرة، معه 1000 ليرة، وأخذ عليها 50 ليرة. هذا حَال البنك الإسلامي له؛ فلا هو صانع ولا هو تاجر ولا يملك شيء. الغرم بالغرم هذا مَشطوب عند البنك الإسلامي. البنك الإسلامي عنده مال، وأنت تأخذ من البنك الإسلامي مالاً.

ويا ليت البنك الإسلامي يُغيِّر طريقة المُعامَلة فيُكثِر من المضاربة. يَفتح باباً جديداً يُسمَّى المضاربة: أن يبحث عن شباب جالسين، أصحاب طاقات ومعرفة في الأعمال، يعطيهم مالاً ويتاجر معهم بأموال، فهذه مضاربة مشروعة. لكن كم حجمها من مجموع استثمارات البنك الإسلامي؟ قليلة جداً، ولعلها لا تصل إلى 5%، ولعل أكثر من 90% من استثمارات البنك الإسلامي هي عبارة عن مُرابحة. شو يعني مُرابَحة؟ بيكونوا يفروا الآن ، والآن في أموال طائلة في البنك. وأنا جلست عن قَرِيب عند بعض التجار، وجدت بعض مندوبي البنك الإسلامي عند هذا التاجر يقولون له: “خُذ فلوس، خُذ فلوس واشتغل”.

فهذا العرض، بحيث تقع المضاربة بالطرق الشرعية، هذا عرض حَسَن. لكن الخوف من أن يأخذوا الناس مالاً بمال ويعطوهم مالاً. أما إذا عَرَض التجار وأعطوه للتجارة والاستثمار، وتكون هنالك على وَفق الشركات الشرعية بما فيها شركة المضاربة، فهذا أمر حسن وطيِّب والحمد لله.

الخطأ في الوقوع في الممارسات يقع، لكن المُهم أن تكون هنالك نية للتوجيه، ونية للتغيير، ونية للتبديل. وأن لا نجمد وأظن لو وُجد بنك إسلامي صحيح، جُلُّ الناس يبتعدون عن هذه البنوك،. والناس يلجؤون للبنك الإسلامي فقط خوفاً من الله.
والله إن خدمتهم دون خدمة سائر البنوك، ويلجأون إليهم من أجل الله. فعليهم أن يتقوا الله وأن يغيروا وأن يبدلوا، وعليهم أن يفسحوا مجالاً للناس، وأن يفهموا وأن يفقهوا الناس ويعلموا الناس، ويقيموا دورات وندوات أو ندوات على الأقل. ليش الاقتصاد الإسلامي الجميل هذا؟
مَن الذي يعلِّم الناس إياه؟ مَن الذي يعلِّم طَلبة العلم؟ ما الذي يمنع البنوك الإسلامية هي تتكفل ببعض الدورات أن يعلموا الناس هذا الاقتصاد إن أرادوا الدين، وإن أرادوا العلم، وإن أرادوا الخير؟ أما أن تبقى مؤسسة رِبحية فيها جَشَع وفيها طَمَع، ورِبحها وطمعها أكثر من البنوك الربوية؛ فوالله الأحكام الفقهية لا تنفك عن الرحمة، والأحكام الفقهية لا تنفك عن الخُلُق. فكفى جَشعاً وكفى طَمَعاً، واجعلوا للدين نصيباً، وأفيدوا الدين لذات الدين. فأنتم استفدتم من الدين، فأنتم أفيدوا الدين، واتقوا الله عز وجل في دين الله سبحانه وتعالى.

توضيح حول المضاربة
المتحدث:
المضاربة يكون المال من جهة والجهد من جهة.
واحد عنده مال يعطيه لشخص آخر يستثمره. ومِن قواعد شركة
المضاربة أن الخسارة في مال صاحب المال وفي جهد صاحب الجهد. فالذي يبذل الجهد لا تجتمع عليه خسارتان، الذي يبذل الجهد لا تجتمع عليه خسارتان. فإن خَسِرَ فإنما يخسر جهده، فلا تجتمع عليه خسارة الجهد زائد خسارة المال.
تضمين التاكسيات اليوم هي شركة مضاربة. لما يعطي الرجل مالك التاكسي لشخص آخر تاكسي ويقول له: “والله بدي كل يوم 15 ديناراً أو كل يوم 20 ديناراً”. هذه في الفقه شركة مضاربة. فإذا راعي التاكسي تعب وجَدَّ واجتهد ولم يقصِّر ولم يحصِّل الـ 20 ديناراً، فيَحْرُم على صاحب التاكسي أن يجمع عليه خسارة من جَهده وخسارة من جَيْبه. فيجب عليه أن يتقي الله في حاله، ولا يجوز له أن يجمع عليه الخسارتين. هذه شركة المضاربة. والله تعالى أعلم.

المصدر :
مقتطع من محاضرة “تسمية البنوك بالإسلامية” لفضيلة الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان.✍️✍️

◀️ الرابط في الموقع الرسمي :

السؤال الثامن: المؤاخذات على البنوك الإسلامية (مسألة الإيداع والأرباح)