سؤال:
ما هو السبيل للنجاة من الفتنة ؟ .
جواب:
أبدأ بقوله تعالى: {فَسْأَلُوا أَهْلَ الَّذِكْرُ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ، وردت في موطنين من القرآن، ولها تتمة في سورة النحل : {فَسْأَلُوا أَهْلَ الذَكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ § بِالْبَيْنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾.
الآية لها منطوق ولها مفهوم، ويجب على المسلم أن يفهم منطوقها، وأن يفهم مفهومها، ثم أن ينتبه إلى تتمتها.
الآية تقسم الناس إلى قسمين: قسم يعلم، وقسم لا يعلم.
فالواجب على من لا يعلم أن يسأل، والسؤال فيما يترتب عليه عمل، واجب. ومن لم يسأل فهو آثم.
لأن الله قال : {فَسْأَلُوا﴾. و{فَسْأَلُوا﴾ فعل أمر، وفعل الأمر يدل على الوجوب، فلا يجوز للعبد أن يتلبس بطاعة أو عبادة، أو أن يتخذ موقفا من أي شيء، إلا إن كان يعلم، فإن كان لا يعلم فالواجب عليه أن يسأل. هذا منطوق الآية.
مفهوم الآية مهم، وقل من انتبه لمفهوم الآية، ونحن طلبة علم. أهل العلم يستنبطون من الآية بمفهومها وجوب وجود الذين يُسألون. {فَسْأَلُوا أَهْلَ الذَكْرِ} لو كانوا غير موجودين فالآية لا تتحقق إلا مع وجود الجهة التي تسألها.
ثم أنا لما أسأل من يعلم – أنا لا أعلم فأسأل من يعلم – الواجب على من يجيبني أن يجيبني بالأدلة، أن يجيبني بالأدلة، في قوله تعالى : {فَسْأَلُوا أَهْلَ الذَكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ § بِالْبَيْنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾. والبينات والزبر هي الأدلة، الأدلة النقلية، ويحرم على الإنسان أن يتكلم في مسألة إلا إن كان يعلم الدليل.
والدليل قسمان دلیل صریح منطوق، ومسائل لا يوجد فيها أدلة بسبب أنها لم تكن معروفة في زمن النبي صلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ومن بعده، فحينئذ يجب على المسؤول أن يكيف السؤال، وأن يرده إلى أصل شرعي معتبر، فإن تصوره تصورًا شرعيًا معتبرا، انطلق في الجواب من الجواب بهذا التصور الصحيح.
لذا العلماء مجمعون أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فلا يجوز لمن يُسأل ولايعلم إلا أن يتصور المسألة تصورًا جيدًا. موضوع الفتن، وكيف ينجو الإنسان منها: النبي صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فصل في الفتن، فصل فيها كثيراً. فقد ثبت في صحيح مسلم أَنَّ النَّبِيِّ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ ثم خَطَبَ النَّاسَ وَبَقِيَ يَخْطُبُ حَتَّى حَضَرَتِ الظَّهْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى الظَّهْرَ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ النَّاسَ وَبَقِيَت خطبته إِلَى الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ ثم خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ كَلَامُهُ عَنِ الْفِتَنِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ . يقول الراوي: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْنَا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا أَخْبَرَنَا بِهِ،حَفِظَهُ مَنْ حَفِظُهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَه.
فخص النبي صلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم المنبر في غير يوم الجمعة بخطبة من فجرها إلى غروب شمسها، خصه صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالفتن.
سؤال وهو المهم: النبي حذرنا من الفتن؛ لماذا حذرنا النبي صلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم من الفتن؟. حتى نتجنبها، لا لنكون قدريين ونقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن الفتن ولا بد أن تقع، وأن نستسلم لها!
فالواجب على المسلم أن يكون له نصيب من محاربة الفتنة، وهذا النصيب يبدأ بالبيان: (إِذَا رأى أَحَدُكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيْرُهُ بِيَدِهِ) هذا من حيث الترتيب، (فَإِنَّ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلبه). الواجب أن تبدأ بتغيير المنكر في قلبك، ثم بعد قلبك أن تغيره بلسانك، ثم بعد ذلك أن تغيره بيدك إن كنت على مقدرة وذا سيادة في تغيير المنكر، كسيادة الآب على أبنائه؛ (كُلَّكُمْ رَاعٍ وَكُلْكُمْ مَسْؤولُ عَنْ رَعِيته، فالرجل راع ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية مسؤولة عن رعيتها، والخادم – في الحديث الصحيح، صحیح مسلم – راع ومسؤول عن رعيته)،
“ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته.”
الصفحة أو الرقم: 1829 / –
خلاصة حكم المحدث: صحيح
اسم الكتاب: صحيح مسلم
فيجب على كل أحد أن ينكر المنكر، وأن يأمربالمعروف. ولذا الفتن لا تظهر في الأمة إلا بعد أن يبتعد الناس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولذا ثبت في صحيح مسلم في حديث طويل بين فيه النبي صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشتداد الفتن، وقبل أن يبدأ بالفتنة قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فيما أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبدالله بن عمرو قال صلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : (مَا بَعَث اللَّهُ من نبي إِلَّا كَانَ حَقَّا عَلَيْهِ أَنْ يَدْلُّ أَمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَر مَا يَعْلَمُهُ لَهُم) ، ثم قال: «وَإِن َّ أَمْتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ خَيْرُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيْصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورُ تُنْكِرُونَهَا) بلاء وأمور يصيب آخر هذه الأمة (بَلَاءٌ وَأُمُورُ تُنْكِرُونَهَا حَتَّى تَجِيءَ الْفِتْنَهُ فَيُرَقْقُ بَعْضُهَا بَعْضًا) فتنة اليوم تجعل فتنة أمس رقيقة، وفتنة غد تجعل فتنة اليوم رقيقة بمعنى أن الفتن تشتد كلما مضى الزمن. (حَتَّى تَجِيءَ الْفِتْنَة فَيُرَقْقُ بَعْضُهَا بَعْضًا حَتَّى تَجِيءَ الْفِتْنَةُ فَيَقُولَ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، ثُمَّ تَجِيءُ فَيَقُولَ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هَذِهِ.
ثم بين النبي صلى اللَّهُ عَلَيْه وسلم جوابا على سؤال أخينا أبي عبد الله، قال: «فَمَنْ أَحَبّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيتَهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتى إِلَيْهِ).
ففي آخر الزمان حتى تنجو من الفتن تعامل الناس بالفضل، ولا تعاملهم بالعدل (حتى تجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَبَيْتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إليه) ثم قال صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : (وَمَنْ بَايعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، ثُمَّ جَاءَ آخَر ُ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنْقَ الْآخِرِ). أو قال (عنق الآخَر). قال عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة – تابعي الحديث يسأل عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو رَضي الله عنه صحابيا: قال آالله، أسمعته من رسول الله صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ؟ فَأَهْوَى عَبْدُ اللَّهِ بَنْ عَمْرو بيديه على أَذْنَيْهِ وَقَلْبِهِ، وَقَالَ: سَمِعَتْهُ أَذْنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي.
فالنجاة من الفتنة أن تعامل الناس بالفضل، وأن تجأر إلى الله بأن ينجيك من الفتنة وأن تأمر بالمعروف، وأن تنهى عن المنكر. فقد قالوا في تعبيرهم الجاري: خير وسيلة للدفاع الهجوم ، فالإنسان إن أمر بالمعروف و نهى عن المنكر أبعد الفتنة عن نفسه، وأبعد الفتنة عن أهله. والفتن والكلام عليها طويل وكثير، فهذا حديث نبوي صحيح أخرجه مسلم في صحيحه بين لنا فيه صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كيف ننجو من الفتن.✍✍
◀️ الرابط في الموقع الرسمي :
