رفع اليدين في تكبيرات صلاة الجنازة. إذا كنت أُصلي خلف إمام يرفع يديه في جميع تكبيرات الجنازة، وأنا لا أرى ذلك إلا في الأولى، فهل أرفع يدي اقتداءً به أم لا؟

السؤال السادس:
رفع اليدين في تكبيرات صلاة الجنازة.
إذا كنت أُصلي خلف إمام يرفع يديه في جميع تكبيرات الجنازة، وأنا لا أرى ذلك إلا في الأولى، فهل أرفع يدي اقتداءً به أم لا؟

الجواب :
وقع خلاف بين أهل العلم في حكم رفع اليدين في تكبيرات الجنازة، عدا تكبيرة الإحرام. تكبيرة الإحرام تُرفع الأيدي باتفاق، والخلاف بينهم في رفع الأيدي بعد تكبيرة الإحرام.
فلم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث في ذلك، بل ورد حديث عند الدارقطني يقبل التحسين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع يديه في صلاة الجنازة لتكبيرة الإحرام “ما عاد” (يعني: فقط رفع في تكبيرة الإحرام).

وثبت الرفع في تكبيرات الجنازة بعد تكبيرة الإحرام، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما. وعبد الله بن عمر كان شديد الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع هذا عُرفت له انفرادات؛ فكان يغسل بياض عينيه في الغُسل من الجنابة، وكان يزاحم على الحجر الأسود. وعُرفت عنه رضي الله تعالى عنهما بعض الانفرادات.
فاختلف أهل العلم في توجيه رفع يديه: هل هو من باب الاقتداء المشهور عنه، أم من باب الانفراد الذي أيضاً عُرف عنه؟

ولذا يُذكر أن أبا جعفر المنصور كان طالب علم، وكان من طبقة الإمام مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه، ثم انشغل أبو جعفر المنصور بالسياسة والولاية فوَلِي، ثم أمر مالكاً فطلب من مالك -من الإمام مالك- أن يكتب كتاباً، فأرسل له رسالة وقال له: “اكتب لي كتاباً ووطئه توطئة، وإياك وانفرادات ابن عمر، وشذوذات ابن مسعود، ورُخَص ابن عباس”.
ففقه الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالجملة كان يمتاز ببعض الأشياء.
فمَن حمَل صنيع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما على أنه هذا خاص به، قال: لا تُرفع الأيدي. ومَن حمله على شدة اقتدائه وقال: “لولا أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع ما رفع”، فقال: ما فعل هذا إلا اقتداءً.
ولذا هذا أصل الخلاف في المسألة.

لكن الرواية التي عند الدارقطني يُنظر أيضاً في سندها، وقلت: هي قابلة للتحسين، وفيها علة. إن صحت -عند من صححها- جزم أو كاد أن يجزم بأن الرفع لا يكون إلا في التكبيرة الأولى؛ لأنه فيها “ما عاد رفع يديه ولم يعُد”. ومِثل هذا الرفع الهِمم قائمة على نقل الرفع لو أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل، ولم ينقله أحد، ولم يَعْزُه أحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولذا الأقرب للسنة -والله تعالى أعلم- ألا تُرفع الأيدي في غير تكبيرة الإحرام في تكبيرات الجنازة.
فقط ترفع يدك في تكبيرة الإحرام، وما عدا ذلك لا ترفع يديك، هذا أقرب شيء للسنة. والله تعالى أعلم.

لو أن الإمام رفع وأنت ترى عدم الرفع، فأنت تقتدي بالإمام الأول، بالإمام الأنوَر، بالإمام الأكبر: بمحمد صلى الله عليه وسلم. ففي سُنن الهيئات وطريقة الصلاة،
إذا الإمام فعل فعلاً وأنت لا تراه من السنة، فأنت تقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ورضي الله عن علي، فإنه قال في غير هذه المسألة -كما في الحج عند النسائي بإسناد صحيح عنه- قال: “أنترك سنة رسولنا صلى الله عليه وسلم لفعل أعرابي بَوَّال على عَقِبَيه؟”. فعلي ما ترك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لفعل رجل ما، ونحن كذلك لا نترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا سيما أن كثيراً من الأئمة هذه الأيام يصلون صلاة موروثة، ولا يحرصون ولا يقتدون بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. كثير -للأسف- من الأئمة، فضلاً عن غيرهم، هو تعلم صلاته من خلال مذهب، من خلال كتاب، من خلال… وما دقق في هدي النبي صلى الله عليه وسلم. وحينئذ، نحن أسعد بهدي النبي صلى الله عليه وسلم من هدي كل أحد من الناس.

المصدر :
مقتطع من محاضرة “تسمية البنوك بالإسلامية” لفضيلة الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان.✍️✍️

رفع اليدين في تكبيرات صلاة الجنازة. إذا كنت أُصلي خلف إمام يرفع يديه في جميع تكبيرات الجنازة، وأنا لا أرى ذلك إلا في الأولى، فهل أرفع يدي اقتداءً به أم لا؟