هل يجوزللمرأة أن تصلي بثوب قصير فوق الكعبين وتلبس في قدميها جوربين سميكين

الناظر في الآثار وقبلها بالأخبار والمرفوعات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلص إلى ما قاله بعض المالكية، قال ما نصه: (زي السلف لم يكن محدداً للعورة بذاته لرقته، أو بغيره أو بضيقه أو بإحاطته) وهذا كلام صحيح، دلت عليه الآثار السلفية، والأحاديث النبوية، فأخرج ابن سعد بإسناد صحيح في طبقاته (8/184) إلى هشام بن عروة (أن المنذر بن الزبير قدم من العراق فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بكسوة من ثياب مروية وقهوية [نسبة إلى مرو وإلى قهوستان بخراسان] وهذه الثياب كانت رقاقاً عتاقاً، وكان ذلك بعد أن كف بصرها، قال المنذر: فلمستها أسماء بيدها، ثم قالت: أفٍ ، ردوا عليه كسوته، قال: فشق ذلك
علَيَّ، وقال: يا أماه إنه لا يشف، فقالت رضي الله تعالى عنها: إنه إن لم يكن يشف فإنه يصف.
 
 
ولبس الجورب تحت الثوب إن كان لا يشف، فإنه يصف، ويحجم العورة، وهذا أمر غير مشروع، لذا قال الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار (2/115) قال: (يجب على المرأة أن تستر بدنها بثوب لا يصفه وهذا شرط  ساتر العورة) .
 
وعلق البخاري في صحيحه في (1/413) عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: (لو وارت جسدها في ثوب لأجَزْتُهُ) فالمطلوب من المرأة أن تواري بدنها ولو بثوب واحد، والأحسن أن يكون أكثر من ثوب، لكن لو وقعت مواراة العورة بثوب واحد لأجزأ هذا.
 
لكن مع هذا أخرج مالك في الموطأ في (1/142) والبيهقي في (1/132) عن أم سلمة رضي الله عنها موقوفاً عليها، على أرجح الأقوال عند أهل الصنعة الحديثة، وهذا الذي رجحه عبد الحق الإشبيلي، وابن عبدالبر، ومنهم من رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والموقوف أصح، قالت أم سلمة وقد سئلت بماذا تصلي المرأة من الثياب، فقالت: (في الخمار والدرع السابغ الذي يغيب ظهور قدميها).
 
وقد ذهب جماهير أهل العلم إلى أن القدمين عورة في الصلاة ومن صلت مكشوفة القدمين فصلاتها باطلة، وهذا مذهب الجماهير عدا الحنفية، واعترض الحنفية على الجمهور بقولهم: لو كان ذلك كذلك لعرفت الجرابات وستر الأقدام، ولما وجدنا ذلك ليس كذلك، تجوزنا في أن تكشف المرأة قدميها في الصلاة، فالقدمان عند الحنفية عورة خارج الصلاة، وليستا بعورة داخل الصلاة، وكلامهم مردود، لماذا؟ فنقول لهم: بم أوجبتم أن تغطي المرأة قدميها خارج الصلاة، قالوا: بالثوب السابغ، قلنا: وبهذا نوجب عليها أن تغطيه في داخل الصلاة.
 
فلا يجوز للمرأة أن تظهر قدميها، فإن لبست جورباً ثخيناً لا يشف للبشرة، فإنه يصف الساق، وهذه عورة ويجب عليها أن تسترها، فبهذا الفعل لم يقع الستر، ولذا قالت أم سلمة {الدرع السابغ الذي يغيب ظهور قدميها}.
 
وهنالك قول مهجور يذكره متأخروا المالكية من أن الواجب على المرأة أن تستر بشرتها، حتى أن بعضهم قال: لو أنها أخذت طين، وغطت بشرتها به وصلت جاز لها ذلك، وهذا كلام مهجور، ما أنزل الله به من سلطان، يخالف الأحاديث، ويخالف ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما أخرجه أحمد في المسند (6/150) وأبو داود في سننه (641) والترمذي في جامعه (377)، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار}، والمراد بالحائض المرأة البالغ، لأن الحائض لا تصلي، ويفهم هذا مع ما ثبت عن أم سلمة، فحينئذ يظهر الجواب.
 
وبعض من يتتبع الأقوال الشاذة لهوى وشهوة عنده، قال بما قال به بعض المالكية المتأخرين كأمثال عبدالله الحبشي هداه الله، يرى أن المرأة لو صلت ببنطال الجينز أو الفيزون، وغطت شعرها بمنديل وصلت، فما دام أن البشرة غير ظاهرة، فإن صلاتها صحيحة، وهذا كلام باطل وليس بصحيح وفي هذا تتبع لرفض العلماء.
 
وعلمائنا الأقدمين أضبط من فقهائنا المتأخرين، وقد ثبت عن الأوزاعي فيما أسند الحاكم في معرفة علوم الحديث (ص65)، قال: (من فعل خمسة من قول أهل الحجاز، وخمسة من قول أهل العراق، فهذا اجتمع فيه الشر كله) وذكر عشرة أشياء كانت شاذة، أما اليوم فالأمور الشاذة ما أكثرها، كما قال المذكور سابقاً: المال لا زكاة فيه، وأيضاً بعض الناس يقول : إتيان المرأة من الدبر حلال، والدخان حلال، والموسيقى حلال، بل بعضهم كتب كتاباً وتُرجم للأسف لأكثر لغات الدنيا، وبُث عبر الفضائيات سماه “الحلال والحلال في الإسلام” فلم يحرم فيه شيئاً، كل شيء عنده حلال ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
 
والقول الذي ذكرناه في المسألة هو القول الذي عليه أساطين أئمة الفتوى، وعلى هذا القول الأئمة المتبوعين، فذكر ابراهيم بن هانئ في مسائله (رقم 286) عن الإمام أحمد أنه سئل: المرأة كم ثوب تصلي فيه؟ فقال: أقله درع وخمار، وتغطي رجليها، ويكون درعاً سابغاً، وقال الشافعي في الأم (1/77) وعلى المرأة أن تغطي في الصلاة كل شيء ما عدا كفيها ووجهها، وقال : كل المرأة عورة إلا كفيها ووجهها، وقال: ظهر قدميها عورة.
 
وهذه الجوارب لا سيما إن كانت لحمية، تزيد المرأة فتنة ويجب على المرأة أن تغطي ساقيها ولا سيما وهي بين يدي ربها، قال تعالى: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن}، فالنساء يجب عليهن أن يسترن أرجلهن أولاً وإلا لاستطاعت إحداهن أن تبدي ما تخفي من الزينة، وهي الخلاخيل، ولاستغنت بذلك عن الضرب بالرجل ولكنها لما كانت لا تستطيع ذلك، لأنها مخالفة للشرع مكشوفة، ومثل هذه المخالفة لم تكن في العهد الأول، لذا كانت قليلات الدين منهن يحتلن على ذلك بالضرب بالخلخال، لعلم الرجال ما تخفي من الزينة، ولازم هذا أن يكون الساق واجب عليها أن تستره ولا تبديه، وقال ابن حزم في كتابه المحلي: (هذا نص على أن الرجلين والساقين مما يخفى ولا يحل إبداءه) .
 
وفي حديث عبدالله ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة} البخاري 5791، وزاد الترمذي وغيره بإسناد صحيح، فقالت أم سلمة :{فكيف تصنع النساء بذيولهن} فقال صلى الله عليه وسلم: {يرخين شبراً} قال أم سلمة: {إذن تنكشف أقدامهن} فقال صلى الله عليه وسلم {يرخينه ذراعاً لا يزدن عليه} وفي رواية: {رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمهات المؤمنين شبراً ثم استزدنه فزادهن شبراً فكن يرسلن إلينا فنذرع لهن ذراعاً} أي أمهات المؤمنين كن يفسحن لغيرهن من النساء المقدار الذي أذن لهن به، وفي هذا رد على من جعل هذا خاصاً بنساء النبي صلى الله عليه وسلم وأفادت هذه الرواية المقدار المأذون به في الإرخاء، وأنه شبران بشبر اليد المعتدلة، قال الترمذي عقب هذا الحديث: (وفي هذا الحديث رخصة للنساء في جر الإزار لأنه يكون أستر لهن) وقال البيهقي عقبه: (وفي هذا دليل على وجوب ستر المرأة قدميها)، فهذا ظاهر جلي، وفي كتاب “القول المبين في أخطاء المصلين” تفصيل، والله الموفق.