[ رحلة العلم والدعوة إلى إندونيسيا ]
*شيخنا، لو تحدثنا عن زيارتكم لإندونيسيا وعن فوائد هذه الرحلة.*
حقيقةً، إندونيسيا من البلاد العظيمة، التي ولله الحمد والمنة الإسلام فيها ظاهر، وترى أثرًا للإسلام في الشوارع، وهؤلاء القوم رقاق، يحتاجون لتعلم وتعليم، ووجدت طلبة في الدورة التي شاركت فيها في مركز ابن حجر العسقلاني في جاكرتا الشرقية، وهو مركز ناشئ.
فكانت هذه الدورة هي الدورة الرابعة، ودورتهم سنوية، وكان معنا قرابة خمسمائة طالب.
قالوا: افتتحنا تسجيل الدورة، فسجل خمسمائة طالب خلال ساعتين، أول ساعتين ، ثم أغلقوا الباب.
والجميل أن الطلبة في هذه الدورة يقضون مدة قرابة عشرة أيام في المركز، يأكلون ويشربون وينامون، ولا يوجد جهد في العالم للتبشير بالنصرانية كما هو موجود في إندونيسيا، لا سيما الجزر البعيدة، إندونيسيا ستة عشر ألف جزيرة، وبعض الجزر في إندونيسيا، الإسلام فيها غريب.
وكان هناك عالم من علماء الحديث سوداني الجنسية، كان مدرسًا في المسجد النبوي، اسمه أحمد السوركتي، وكان حوله الطلبة الإندونيسيين فأحبهم، فترك التدريس في المسجد النبوي وذهب إلى سورابايا، وأنشأ مركزًا سماه مركز الإرشاد، وكانت له فروع كثيرة.
فتطلبت تراث أحمد السوركتي، وأسأل الله أن يعينني على إخراجه، والمجلات التي كان يُصدرها قديمًا في نحو 1910، فكان له باب في مجلته اسمها “الذخيرة”، وعندي نسخة كاملة منها، كان له باب: سلسلة الأحاديث الضعيفة والتحذير منها.
قلت: سبحان الله! أهل الحديث هم هم، يحرصون الناس على الخير، وكانت له معارك مع الصوفية، ولا سيما الحضارمة من العلويين في تلك الديار.
فقالوا لي: يوجد عندهم شرط في ترخيص الجمعيات، أن تعمل كل جمعية نشاطين عامَّـين مفتوحين للناس كلهم، فقالوا: سموا لي مكانًا (وهو بعيد ونائي)، قالوا: الآن ما يفعلون شيئًا، إلا يأتون براقصة حتى يبقى الفرع مرخصًا، يأتون ويجتمعون ع الراقصة، قلت: أعوذ بالله! أنا مستعد أذهب إليهم.
ففي سنة من السنوات ذهبت، وقالوا: متى نبدأ بالدرس؟ قلت: غدًا الفجر، وصلت بعد العشاء، قلت: نبدأ غدًا الفجر، فجلست الفجر ودرست، فدخل قرابة خمسين رجلًا يحملون عصي وفي أسفلها [ لوكس – إضاءة ]، فبعد الدرس سألتهم، قالوا: نحن بلغنا بعد العشاء أن درسك سيكون هنا، وجئنا مشيًا من قرية قريبة، قرابة أكثر من خمسة كيلو، جئنا مشيًا على الأقدام، وكان همنا أن ندرك الفجر، فوصلنا بعد الفجر بقليل ، قبل طلوع الشمس ، فقلت: الحمد لله، فعندهم همم.
زرت دار نشر، دار الإمام الشافعي، في جاكرتا، فزفوا لي بشرى أحببتها كثيرًا، قالوا: فرغنا هذه الأشهر، من ترجمة “فتح الباري” للحافظ ابن حجر العسقلاني، فنقلناه من العربية إلى اللغة الإندونيسية، قلت: كم يُطبع في كم؟ قالوا: يُطبع في خمسة وخمسين مجلدًا، يُطبع الكتاب في 55 مجلدًا.
فوجدت نوعية الطلبة في هذه الدورة نوعية جيدة، من حيث الخلق، ومن حيث العلم، ومن حيث الفهم، والحرص الشديد على الفهم، فكان مقررًا لي في تلك الدورة درسًا، أبدأ من بعد العشاء إلى ما قدَّر الله لي أن أتكلم، وكنت قد تقصدت هذا الوقت، حتى يبقى الباب مفتوحًا في البيان، فزدتهم في كل يوم درسين، فكان لي درس في وقت الراحة ما بعد الظهر، فهم طلبوا، فقلت: أنا ما عندي مشكلة، وكان هناك درس بعد الفجر لطلوع الشمس، فوجدت الإخوة، جزاهم الله خيرًا، على حرص شديد، ووجدت حركة الترجمة جيدة، وأروني مجموعة من كتبي التي ألفتها وحققتها وجمعتها، مترجمة بحلة قشيبة زاهية جميلة، أنا لا أعرف اللغة الإندونيسية، لكن الطباعة جيدة وجميلة.
ذهبنا في هذا الفصل الذي نحن الآن، هناك عندهم فصل صيف، وليس فصل شتاء، عندهم فصل صيف.
للأسف، وجدنا حركات شديدة للمبشرين، وذكر لي بعض الإخوة، وأحسبه من الثقات، قال: أخذوا مجموعة من الإندونيسيين، وأرادوا أن يدربوهم حتى يكون قساوستهم منهم، والرهبان منهم، قال: فأخذوا مجموعة كبيرة، ثم صغروها، ثم صغروها، ثم صغروها، حتى تخرج ثلة مرت في مراحل من دراسة الرهبنة ودراسة النصرانية، قال: فلما استقر الأمر على عدد مقبول، ومروا في عدة مراحل، أعطوهم استبيانًا.
وكان في الاستبيان مكتوب من ضمنه (وهو مكتوب، وهذه قصة ليست نكتة، قصة حقيقية)، فكان من ضمن المكتوب في الاستبيان: الأُمنية في الحياة، قال: فكان أغلب أماني كاتبي الأمنية في الحياة: (الحج إلى بيت الله الحرام) .
طبعًا الإندونيسيون يحبون الحج جدًا، وأخبروني أن بعضهم من صغرهم، يعني أن أول الزواج يبدأون بوضع رصيد لهم للحج، حتى يتمكنوا من الحج لبيت الله تعالى.
فالإسلام قوي بنفسه، وليس الإسلام قويًا بحامله .
وأذكر تمامًا لما جاءنا لهذه الديار الشيخ أبو الحسن الندوي، وهو معروف، قام إليه شاب وشكى من جهد النصارى والتنصير، فقال كلمة أعجبتني ولن أنساها، واحفظوها، فقال: *يا بني، الإسلام قوته في ذاته، وسائر الأديان والمبادئ والأفكار قوتها في حامليها، فأنى لمن يحمل الشيء أن يسبق من كانت قوته في ذاته؟*
فالإسلام مع هذا ولله الحمد والمنة، تجد مظاهر جيدة للإسلام في الشوارع العامة، فحصت أشياء كثيرة، والعجب تجد امرأة متبرجة متكشفة، لما يأتي وقت الصلاة تتوضأ وتصلي، وبعض الناس يعتقد أن لباس الصلاة هو لستر العورة فقط في الصلاة، وليس ستر العورة في سائر الأوقات. فكانت ولله الحمد والمنة رحلة موفقة.
وكنت مع أخي الدكتور الشيخ حسين العوايشة وأخي الشيخ الدكتور باسم الجوابرة ، وكان لهم جهد في تعليم الطلبه ونصحهم وإرشاداهم.
واسال الله جل في علاه أن يتقبل من الجميع.
هذا والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المصدر:
فضيلة الشيخ مشهور بن حسن آل سلمان.
شرح صحيح مسلم.
التاريخ الميلادي: 8 يناير 2026 م
التاريخ الهجري: 19 رجب 1447 هـ✍️✍️
◀️ الرابط في الموقع الرسمي :
