س: ما هو التعريف المنضبط لمصطلح “فهم السلف”؟

س: ما هو التعريف المنضبط لمصطلح “فهم السلف”؟

أخ يسأل يقول ما هو التعريف المنضبط لمصطلح فهم السلف؟ هل يقصد به أصول الفقه قواعد فهم النصوص؟
أولاً السلف الصالح هم الذين زكاهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم محصورون في الصحابة والتابعين وتابعيهم، ولا يجوز للعبد أن ينتسب إلى غيرهم لأن الانتساب إلى غيرهم انتساب إلى من يخطئ كالأئمة الأربعة فالانتساب للسلف الصالح انتساب إلى فئة، وهذه الفئة مزكاة معصومة بجملتها ولا يعتريها الخلل ولا الخطأ.

أما الفهم المنضبط بعد أن حددنا أن السلف هم الصحابة والتابعين، فالمراد به ما أجمعوا عليه، وأما ما اختلفوا فيه فالأمر واسع، ولذا العلماء يقولون: “الاختلاف العالي غالي”؛ فلا يمكن لأحد أن يصادر كلاماً وقع فيه خلاف بين السلف الصالحين. وكان الإمام أحمد يحيي بعض هذه الأقوال التي كادت أن تُهجر بعدم قول إخوانه الأئمة الثلاثة الفقهاء المتبعين وهم أبو حنيفة ومالك والشافعي رحم الله الجميع، فكان يرد عليه بقوله: “الإجماع على خلاف ذلك”، فكان يطلق عبارة وهذه العبارة أوهمت بعض المتأخرين بإيهامات ما أرادها أبداً، كان يقول: “من ادعى الإجماع فقد كذب”، فهو لا ينكر حجية الإجماع وإنما ينكر أن الإجماع قد قام في هذه المسألة ولو اتفق الأئمة الثلاثة عليها، فهو أحيا قولاً للصحابة والتابعين.

ومن المعلوم أن الإمام أحمد يقول في المسألة أقوالاً ويعدد الأقوال على حسب ما وصله من أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم، فيقول تارة في المسألة خمسة أقوال وفي المسألة عشرة أقوال أو ما بين ذلك، فهو لا يهجر أقوال السلف الصالح. أما دعوى أن الإمام أحمد ليس بفقيه وهو محدث، فسببها هذه المسألة؛ أنه ما أجاب بقول إلا وقد سبقه من قبله وله مستند في قوله وإن هُجر، بسبب سعة اطلاعه على حديث النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أقوال الصحابة والتابعين.

فهم سلف الأمة عند المتأخرين يشمل قواعد الاستنباط وقواعد الإثبات؛ فقواعد الإثبات هي كيف يصح الحديث وطرق تصحيح الحديث وهذا الذي عبر عنه ابن المبارك: “الإسناد دين الله عز وجل”، فلا يمكن أن يثبت شيء في دين الله عز وجل من غير الإسناد بخلاف “الخلوف” الذين أثبتوا أشياء بالتجارب وأثبتوا أشياء بالمنامات وأثبتوا أشياء بالفراسة وأثبتوا أشياء بالإلهامات، فهذه كلها على خلاف منهج السلف الصالح. ومرادنا نحن في هذه الأزمنة بقولنا “على منهج السلف الصالح” يشمل قواعد الإثبات وقواعد الاستنباط.

قواعد الاستنباط انشغل بها علماء الأصول ودخل في علم الأصول ما ليس منه وهو كثير، وللصنعاني رسالة “ما ليس من الأصول في علم الأصول”، والعلماء يذكرون أشياء كثيرة دخلت في علم الأصول بمباحث المتكلمين ومباحث الفلاسفة، وكتب الأصول دخلها كثير مما هو ليس منها، وأشرف ما في كتب الأصول هي المباحث المشتركة بين الكتاب والسنة كمبحث العام والخاص ومبحث الدلالات ومبحث المطلق والمقيد ومبحث الناسخ والمنسوخ والظاهر والمؤول وما له صلة بالنصوص التي فيها “قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم”. فالقول بمنهج السلف بالاقتصار على قواعد الإثبات دون قواعد الاستنباط، أو الاقتصار على قواعد الاستنباط دون قواعد الإثبات، هذا خلل؛ لأننا وجدنا في العصور المتأخرة من تعدى على قواعد الإثبات التي عمل بها الفقهاء والعلماء وأدخلوا فيها ما ليس منها، بل قامت بعض المناهج الدعوية في هذا الزمان وانحرفت بسبب هذا الأمر، كقيام جماعة التبليغ برؤية منام أمير الجماعة وأقام العمل على رؤية منامات، وهكذا الصوفية يصححون ويضعفون بالكشف وهذا أمر قديم كما هو معلوم.

وكان السيوطي يزعم أنه التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم لقاء يقظة وكان يسأله عن بعض الأحاديث وكان يجيبه عن صحتها وضعفها. فالخلاصة أن قواعد السلف الصالح تشمل الأمرين؛ قواعد إثبات النص وقواعد الاستنباط التي عمل بها الفقهاء والعلماء. فالمسائل التي أجمع عليها السلف الصالح ليست كالمسائل التي وقع بينهم فيها خلاف، والقواعد التي اختلفوا فيها في موضوع التوحيد ليست كالمسائل التي وقع فيها خلاف في مسائل الفقه، فاشذ وثبت شذوذ بعض الصحابة والتابعين في قول وتبين لنا شذوذه فإننا لا نعمل به، كقول مجاهد في أن الله جل في علاه يجلس نبيه معه على العرش وزعم أن هذا هو معنى المقام المحمود، والأمر على التحقيق ليس كذلك. ففرق كبير بين الخلاف الذي فيه شذوذ والخلاف الذي هو خلاف تعتريه وجهة النظر وتعتريه قواعد الخلاف المستساغ.

تبقى مسألة، والكلام أيضاً طويل، لكن تبقى المسألة أننا لا نستطيع أن نلحق بالصحابة وأن هؤلاء القرون المزكاة انقضوا وهم معصومون والفزع يجب أن يكون لهم، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض: “إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين من بعدي”، وهذا يدل على أن الخلفاء الراشدين ما ينبغي أن يُخالفوا، وإن خُولفوا فالحق مع ما كانوا عليه؛ بل “اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر”. فقال أهل العلم ومنهم ابن القيم في كتابه “إعلام الموقعين”: لو أن الخلفاء الراشدين انقسم رأيهم إلى قسمين فالراجح ما كان عليه الفريق الذي فيه أبو بكر وعمر بخلاف الفريق الذي ليس فيهم أبو بكر وعمر، فهم أفقه خلق الله وهذا مقرر وطول الإمام ابن القيم في تقريره ،مع قلة الوقوف على فقههم في آحاد المسائل أبو بكر وعمر وفقه أبي بكر وعمر تمثل في المحافظة على النمط الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وظهر ذلك من قول أبي بكر وإصراره على إنفاذ بعث أسامة، وهذا الإصرار هو شعار لما كان عليه أبو بكر وأنه يبقى على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع توفر أسباب لعدم الاستمرار على ما أوصى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يلتفت لهذه الأسباب وبقي على ما أوصى عليه صلى الله عليه وسلم وهذا شعار ومثل. وهكذا بقي الناس حتى حصل في زمن عمر رضي الله عنه أنه فتح بلاد العراق، والعراق كما يقول ياقوت الحموي عراقان: عراق العرب وعراق العجم؛ فلما وصل الإسلام إلى عراق العجم وقعت مسائل كثيرة وهذه المسائل وقع فيها خلاف بين الصحابة، وهذا الخلاف بين الصحابة بدأ في الأصل في العلم ثم بدأت حزازات القلوب كما قال ابن مسعود في قبول هدايا المشركين في أعياد المشركين النيروز والشعانين وغيرهما، فكان يفتي بالحل ثم لما رأى طغيان ظهور هذه الأعياد كان يقول: “إنما أمنع لحزازة القلوب”، فالتفت إلى أثر هذه الأعياد وطغيانها في المجتمع، وحينئذ بدأت المسائل في الوقائع تختلف واختلفت فيها وجهات النظر وهذا الاختلاف ما زال موجوداً في كثير من المسائل.

فلا بد أن ننظر إلى أنه لا يمكن للمتأخرين أن يلحقوا بالسلف الصالحين، وأنى لهم أن يلحقوا بهم وقد زكاهم النبي صلى الله عليه وسلم، والذي سكت عنهم ليس كالذي نطق بتزكيتهم، ولذا هؤلاء سيعتريهم أشياء وهذه الأشياء تمنع من لحوقهم بهم. وهذه الأشياء في بعض الجوانب التي تخص فقه السلف الصالح في بعض النوازل التي وقعت في ذاك الزمان؛ فالفقه قائم على قواعد مطردة وهو معلل وهذا الذي قال به شيخ الإسلام ابن تيمية ولم يثبت شيء على خلاف القياس، وكل مسألة قيل فيها أنها على خلاف القياس فيما ذكرها الأئمة ولاسيما الإمام أبو حنيفة هي في الحقيقة ليس كذلك. فالإنسان يسدد ويقارب ونجتهد قدر الاستطاعة في التسديد والمقاربة لفهم السلف الصالح. فهم السلف الصالح قد يكون اثنان متجردان للحق يبحثان عن الحق لذاته واتفقا في طرق الإثبات وطرق الاستنباط وقد يقع بينهما خلاف، فإذا كانت هذه القواعد تأذن بمثل هذا الخلاف فهذا أمر واسع؛ مثل الحديث الضعيف الذي تعددت طرقه هل يصل للحسن أو لا يصل، وهذا الخلاف موجود وكثير قديماً وحديثاً بين الأعيان والكبراء من الفقهاء والمحدثين وغيرهم. فإذا أنا الآن انشرح صدري لتقوية الحديث بالشواهد والاعتبارات وآخر ما انشرح صدره لذلك فهذا خلاف معتبر. كذلك أفعال بعض السلف كرفع ابن عمر يديه في تكبيرات العيد، فلم يُعرف عن غيره؛ هل هو فعله اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم أم فعله إلحاقاً بالاجتهادات التي عُرف بها وعُرف عنه تشديدات كما هو معلوم.

ويعلم هذا كل من تتبع سمات فقه السلف الصالح؛ فمن ألحق ومن لم يلحق فالخلاف بينهم مستساغ، فلأننا لا نستطيع أن نكون مثلهم ولا نلحق بهم قضت سنة الله في كونه أن يقع خلاف في الفهم، أن يقع خلاف في الفهم ولا نستطيع أن نقف على فهم السلف الصالح في بعض مثل هذه الجزئيات لكن هذا لا يلغي الأصل ولا يلغي العمل بفقه وفهم السلف الصالح، فيبقى الأمر يضيق الخلاف. لذا الإمام الشافعي كما ذكر الآبري في كتابه العجيب “مناقب الشافعي” خرج من مكة طالب علم ثم رجع إليها محرماً ودخلها وهو فقيه
مجتهد، قال للناس: “سلوني، ولا يسألني أحد عن شيء إلا وأجبته بكتاب الله”، فقال له رجل وكان يلبس الإحرام مثله: “وأنا داخل المسجد دست زنبوراً (حشرة) فقتلته، ماذا علي في كتاب الله؟”، فأجاب الإمام الشافعي بطريقة لها منهجية دقيقة؛ أجاب بقوله عز وجل: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}،” الحشر ” ثم أسند حديث العرباض بن سارية: “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين من بعدي”، ثم أسند أن عمر سأله رجل وهو داخل لبيت الله الحرام: “لقد دست زنبوراً ماذا علي؟” فقال عمر رضي الله تعالى عنه: “ليس عليك شيء”، ثم قال الشافعي للسائل: “هذا جوابي من كتاب الله”؛ ما قال من كلامي ولا قال من كلام عمر. ونحن لا نقول هذا من كلام الشافعي، بل نقول هذا من كلام الله لأن الله أمرنا بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بطاعة أبي بكر وعمر وهكذا.

فهذا فهم السلف الصالح، هذا مثل من أمثال فهم السلف الصالح. لكن من أراد أن يحيط بفهم السلف الصالح بكل تفاصيله فهذا يحتاج إلى الوقوف على كل أقوال الصحابة والتابعين وهذا أمر عسر، والعناية به للأسف ليست كثيرة. لذا -وهذا أمر لا يعرفه إلا الباحثون- ا شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم اعتمدوا على ابن حزم، وما من أثر في كتب ابن تيمية وابن القيم أنا أزعم إلا وأخذوه من ابن حزم، وابن تيمية يعظم ابن حزم لوقوفه على الآثار ولعنايته بفهم السلف الصالح. فابن حزم لو أنك قرأت -وهذا يلزم المحقق إذا أراد أن يحقق رسالة لابن القيم أو لابن تيمية- فالآثار الموجودة غالباً عند ابن حزم سواء في “المحلى” أو في “الإيصال” الذي فقدنا جله وما بقيت لنا إلا قطع يسيرة منه، وقد يسر الله لي أن حققت كتاب “الصادع” لابن حزم بعد ” اعلام الموقعين “، فوجدت أن ابن القيم يعتمد على الصادع بترتيبه في الحجج والأدلة.

س: كتاب “الصادع” هو كتاب في أيش يعني؟ بنفس ترتيب ابن حزم ؟
كتاب “الصادع” هو كتاب في الرد على من أعمل القياس وأعمل الاستحسان وحسّن الأشياء بعقله، فابن القيم رفع شعار أهل الحديث ورد كلام ابن حزم في نفي أصل القياس ووافقه في رد التوسع في القياس. ولذا لما الإمام أحمد التقى بالشافعي كان أمراً يحير الإمام أحمد فقال له: “القياس؟”، فقال الشافعي وأجابه بجواب موجز بكلمتين أجاب وشبع أحمد من هذا الكلام، قال: “عند الضرورة”، عند الضرورة. فالشاهد وجود اختلاف في بعض المسائل سواء في الإثبات (تحسين الحديث إذا تعددت طرقه) أو اختلاف أقوال الصحابة التي وقع بينهم فيها خلاف، لا يلغي أصل عمل السلف الصالح، فهذه مسائل ينبغي أن تُؤخذ بالاعتبار والله تعالى أعلم.

س: يعني يمكن يا فضيلة الشيخ أن يقال حتى في الاختلاف لا يُبتدع قول ثالث؟ يعني مثلاً إذا كان ورد عنهم في المسألة قولان، فالذي يتبع السلف بإحسان ينبغي أن لا يخرج عن اختلافهم، هل يمكن أن يقال هذا؟
في أقوال لبعض الفقهاء قل مثلاً صلاة تحية المسجد لما دخل والإمام على المنبر ، حادثة وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ودخل سليك الغطفاني وجلس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم -والحديث صحيح-: “قم صلِ ركعتين وتجوز فيهما”، المالكية يقولون من دخل والإمام على المنبر يجلس ولا يقوم ولا يصلي، قال لو أن رجلا قال هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعل السلف، فهذا يقضي على الخلاف والإمام مالك أو المالكية معذورون لأنه ما بلغهم الحديث.
صيام ست من شوال ثبت في صحيح مسلم ومالك رده، وهكذا فنحن أمام خلاف كبير يجب أن تتسع صدورنا لحبهم وإعذارهم، ونقول ما كرره وردده واعتمد عليه ابن تيمية في “رفع الملام عن الأئمة الأعلام”، نقول كما كان يقول: “نحن معذورون بترك أقوالهم وهم معذورون بترك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي صح ولم يبلغهم”، فقلوبنا تتسع لأقوال جميع الفقهاء ولا نتعصب لقول واحد منهم، فهذا المراد بموضوع فقه السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم.✍️✍️

◀️ الرابط في الموقع الرسمي :

س: ما هو التعريف المنضبط لمصطلح “فهم السلف”؟