[هل يجوز إعطاء المؤلفة قلوبهم بعد زمن النبي ﷺ ؟ ]
قال بعضهم بأن هذا المصرف قد نُسخ، والآن لا توجد زكاة للمؤلفة قلوبهم.
هذا الكلام باطل؛ لأن الأصحاب بعد انقطاع الوحي أعطوا المؤلَّفة قلوبهم، ولكن اختلف حال هؤلاء المؤلَّفة قلوبهم، فالمؤلَّفَة قلوبهم في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يبقوا في زمن عمر مؤلفة قلوبهم، وإنما من كان حديث عهد بدخوله للإسلام فكان مؤلفًا قلبه، فأعطاه عمر، وورد هذا عنه في الصحيحين كما سيأتينا بعد قليل.
وهؤلاء المؤلفة قلوبهم، كما يذكر الفقهاء، هم أقسام ، ومسلم أسلم حديثًا ، ممن له كلمة على قومه، وليست العبرة بالكلمة على قومه ، ممن لهم شأن.
مات رجل أسلم قبل أسبوع، رجل في إفريقيا كان ملكًا، ورزقه الله الإسلام، وقد تعدى المئة من السنوات وكان ملكًا من الملوك.
ولإخواننا الدعاة، أسأل الله أن يؤيدهم، وأن يبيض وجوههم، وأن يكثرهم، ولا سيما ممن أنعم الله عليهم بالمال ممن زاروا إفريقيا، كانوا يعطونهم ذهبًا، يدخل على رئيس عشيرة يعطيه كيلو، فيأذن له بأن يدخل على البلدة، وأن تبدأ الدعوة بحراسة ومحمية من رئيس العشيرة، ورئيس العشيرة له شأن.
وكان ممن يتزعم هذا الاتجاه أخونا رحمه الله تعالى الذي مات من قريب الشيخ عبد الرحمن السميّط، عزيت ولده لما مات أبوه يقولون: “إن الشيخ عبد الرحمن أسلم على يديه في إفريقيا قرابة 3 مليون شخص”؛ بسبب فقهه من المؤلفة قلوبهم.
يدخل كبار القبائل وأصحاب النفوذ، أصحاب الكلمة، يعطيه شيئًا، يأذن له. وهذا يجوز، إعطاؤهم زكاة ولو كان كافرًا، ولكن يريد أن يقربه لشرع الله -عز وجل-.
فمن يُرجى إسلامه فيُعطى لتقوية الإيمان، ولتمهيد نفسه للإسلام.
وقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى أقوامًا كفارًا وميَّل قلوبهم، وذكروا من ذلك صفوان بن أمية، فأعطاه يوم حُنين وصفوان كان كافرًا، ثم أسلم.
فإذًا يجوز إعطاء المؤلفة قلوبهم مالًا، وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما قسم غنائم حنين للمتألفين من قريش وفي سائر العرب، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، فإنه -صلى الله عليه وسلم- قال لهم: “أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى مَا قَسَمَ اللَّهُ لَكُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ؟”
أنتم قسم الله لكم الإسلام خير لكم من الدنيا وما فيها ، كم كان النبي -صلى الله عليه وسلم- زاهدًا في الدنيا!
هذه الغنائم ما تسوى عندهم شيئًا، وما فرح بها كفرحه بإسلام من أسلم من قريش، كان الإسلام هو همه وهو الذي يفرحه.
فالمسلم يُعطى والذي أسلم حديثًا، وكذلك الكافر يُعطى، فمن يُخشى شره فيُرجى بإعطائه كف شره وكف شر غيره، فهذا أيضًا ممن يُعطى ، وداخل تحت المؤلفة قلوبهم ، وإن غلب على الظن أنه لا يسلم، لكن بإعطائه يُدفع شره عن المسلمين.
فروى عبد الله بن عباس أن أقوامًا كانوا يأتون النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن أعطاهم مدحوا الإسلام وإن منعهم ذموه، كان النبي يُعطيهم كما ثبت ذلك عند ابن جرير في التفسير.
قلنا أن هذه العطايا للمؤلفة قلوبهم لم تُنسَخ، ولذا قال الإمام الزهري -رحمه الله تعالى-:
“لا أعلم شيئًا نَسخ حكم المؤلفة قلوبهم”.
على أن ما ذكروه لا خلاف بينه وبين الكتاب والسنة، فالمخالفون قالوا:
“كان النبي ﷺ يُعطي ، وعمر ما أعطاهم”.
لم أعطاهم النبي ﷺ ؟ أي مخالفة في هذا للكتاب والسنة؟!
لكن الذي أعطاه النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطاه وهو مؤلف قلبه، وفي زمن عمر ما أصبح مؤلفًا قلبه، ولذا عمر -رضي الله تعالى عنه- ما أعطى.
المصدر:
البث المباشر – لدرس شيخنا شرح صحيح مسلم – فضيلة الشيخ مشهور حسن آل سلمان حفظه الله
تاريخ:
5 ربيع أول 1447 هـ
28 أغسطس 2025 م✍️✍️
◀️ رابط الفتوى: